محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

197

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

تمثيل حيرة المنافقين وشدة الأمر عليهم ، فهم شبيهون بمن أخذهم المطر الشديد والعواصف القوية ، وما يعانيه هؤلاء من شدة التحير والجهل بما يأتون وما يذرون ، إذا صادفوا لمحة من البرق انتهزوا ظهورها فخطوا خطوات ، برغم خوفهم من أن يخطف البرق أبصارهم ، فإذا خفي البرق بقوا واقفين ، وجمدوا في مكانهم ، ولو شاء اللّه لزاد في قصف الرعد ، فأصم آذانهم وفي ضوء البرق فأعماهم . واستعمال « كلما » مع أضاء لأن الموقف هنا يتضمن الحركة ، فهم يتحركون مع كل لمعة برق ، لكن يختلف عن ذلك الحال حين يعود الظلام ، فلا حركة وإنما جمود ، ولهذا صور القرآن الكريم هذا بقوله وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي وقفوا ثابتين في مكانهم ، فليس في هذه العبارة ذلك التصوير للتحفز للحركة كلما حانت الفرصة لذلك بالتماع البرق . والمهم أن الآيتين تعبران بالتصوير البياني عن حيرة المنافقين وفزعهم ، فهم في هذه الحيرة شبيهون بمن أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وصواعق . 21 - يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تدخل هذه السورة الكريمة في مرحلة جديدة بهذه الآية . فبعد أن ذكرت تلك الطوائف الثلاث ، وهم المؤمنون والكفار والمنافقون ، تبدأ هنا إقامة الدليل على التوحيد والنبوة والمعاد . يخاطب اللّه المكلّفين فيذكرهم بنعمته عليهم إذ أوجدهم بعد أن لم يكونوا شيئا ، فهم مدينون له بهذا الوجود ، وكذلك تدين له الأجيال السابقة من البشر بوجودها . وما دام الإنسان قد توقف وجوده على إرادة الخالق ، فلا أقل من أن يكون في حياته ملتزما بطاعته .