محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

195

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

وجعل الظلمات والنور . وثالثها : أن يأتي بمعنى أفعال المقاربة نحو جعل زيد يفعل كذا . والآية تصور حالة الخوف والفزع والقلق التي كان يحياها هؤلاء المنافقون ، في موقف كانت تنفعهم فيه الاستقامة لو سلكوا سبيلها . وجميع المفسرين يكادون يجمعون على أن هذه الآية تتضمن تشبيه تمثيل لأحوال المنافقين على النحو التالي : إن المراد من الصيّب هو الإيمان والقرآن . أما الظلمات والرعد والبرق فهي الأمور الشاقة على المنافقين مثل التكاليف من صيام وصلاة ، وترك الرئاسات ، والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد للنبي مع شدة استنكافهم عن الانقياد له . فكما أن الانسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب ما يقترن به من ظلمات ورعد وبرق ، فكذا المنافقون يجتنبون الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور التي تقترن بهما . وفي الآية تصوير لهول المطر وما اقترن به من ظلمات متراكمة ، وما تخلله من رعد يبث الفزع في النفوس ، وبرق يخطف الأبصار ثم يتركهم في ظلمة لا يبصرون ، والظلام بعد النور أقسى من الظلمة المستمرة ، إذ يترك البصر أكثر عجزا عن اختراق جدار الظلام . وهؤلاء المنافقون يسلكون سلوكا أحمق ، يظنون أنه ينجيهم ، إذ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ، فهذا التصرف لا ينجي ، كذلك هم حسبوا أن التظاهر بالإيمان ينجيهم من أخطار الكفر ، وما كان ينتظر الكافرين من قتال وموت ، ونسوا أن اللّه محيط بالكافرين . ومعنى أنه محيط بالكافرين يقبل التأويل على وجهين : أحدهما : أنه عالم بهم . وثانيهما أن قدرته مستولية عليهم . وفي قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ