محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

169

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه ، فهو لا يبصر رشده ولا يسلك قصده . ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته ، سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المبطلين ، لأن اللّه تعالى نزع عن أحواله بركات الإنصاف ، فلا يدرك بسمع القبول ولا يصغي إلى داعي الرشاد » . أما ابن عربي فيقدم لنا التأويل بصورة واضحة في تفسيره لقوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ . ( البقرة : 19 ) . يقول : « ثم شبههم ثانيا بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق ، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي ، ووصول أمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين ، وبقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين ، وحصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر ، والظلمات هي الصفات النفسانية ، والشكوك الخيالية والوهمية والوساوس الشيطانية مما تحيرهم وتوحشهم . والرعد هو التهديد الإلهي والوعيد القهري لوارد في القرآن والآيات والآثار المسموعة والمشاهدة مما يخوفهم فيفيد أدنى انكسار لقلوبهم الطاغية وانهزام لنفوسهم الآبية . والبرق هو اللوامع النورية والتنبيهات الروحية عند سماع الرعد وتذكير الآلاء والنعماء ، مما يطمعهم ويرجيهم ، فيفيدهم أدنى شوق وميل إلى الإجابة . ومعنى ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) يتشاغلون عن الفهم بالملاهي والملاعب عن سماع آيات الوعيد لكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن اللذات الطبيعية بهموم الآخرة إذ الانقطاع عن الذات الحسية هو موتهم ، واللّه قادر عليهم قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي ، قدرة المحيط بالشيء الذي لا يفوته منه ، فلا فائدة لحذرهم » .