محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
143
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه . وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه ، والرقيّ إلى أعلى درجاته . وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام ، وأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير الذي أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا . فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمّنا أصح المعاني ، من توحيد اللّه تعالى ، وتنزيهه في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان لطريق عبادته ، من تحليل وتحريم ، وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساويها ، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه ، مودعا أخبار القرون الماضية ، وما نزل من مثلات اللّه بمن عصى وعاند منهم ، ومنبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان ، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه . ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الأمور ، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق امر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرتهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله ، ومناقضته في شكله . ثم صار المعاندون له ممن كفر به وأنكره يقولون مرة إنه شعر لما رأوه منظوما ، ومرة إنه سحر لما رأوه معجوزا عنه ، غير مقدور عليه . وقد كانوا يجدون له وقعا في القلب ، وقرعا في النفس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف ، ولذلك قالوا : إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة . وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ( الفرقان : 5 )