محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

144

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

مع علمهم أن صاحبهما أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا . . ثم أعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به ، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يفسد به الكلام ، أو إذهاب الرونق الذي تسقط به البلاغة ، وذلك أن في الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعاني في زعم أكثر الناس ، كالعلم والمعرفة ، والشح والبخل ، والنعت والصفة ، وكذا بلى ونعم ، ومن وعن ، ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف ، والأمر فيها عند الحذاق بخلاف ذلك ، لأن لكل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها ، وإن اشتركا في بعضها » . هذا النص الطويل يشير إلى كثير من الموضوعات البلاغية ، كما أنه يشير إلى نظرية « النظم » ، ويقدم أفكارا عنها . هذه النظرية أيضا قد أشار إليها أبو بكر الباقلاني ( المتوفي سنة 403 ) صاحب « إعجاز القرآن » ، وهو من أشهر الكتب في هذا الباب ، فقد ذكر أن من أسرار الإعجاز ما في القرآن في النظم والتأليف والترصيف ، وأنه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلام العرب « 1 » . لكن الباقلاني لم يسلك مسلك الخطابي من حيث التوسع في شرح مفهومات البلاغة ، وخصائص النظم والتأليف ، بل شغل نفسه بمسائل كلامية عقلية لا نراها قادرة على الوفاء بإيضاح معنى الإعجاز وأسراره . 8 - ولقد أتيح لفكرة « النظم » أن توضح على أحسن صورها وذلك على يد اللغوي البلاغي القدير عبد القاهر الجرجاني المتوفي عام 471 . فهذا الرجل العبقري قد استطاع في كتابيه « دلائل الإعجاز » « وأسرار البلاغة » أن يضع الأسس التي قام عليها علم المعاني وعلم البيان . وقد توسع في إيضاح فكرة « النظم » بوصفه السر الكامن وراء كل كلام بليغ ، واستعان بهذه الفكرة في إيضاح أسرار الإعجاز . ويرى الدكتور مندور أن عبد القاهر الجرجاني قد اهتدى في العلوم اللغوية

--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، ص 54 .