محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

100

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

وقد انتقد ابن خلدون فكرة الإصرار على الرسم القديم في سياق حديثه عن الخط العربي فقال : « فكان خط العرب لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ، ولا إلى التوسط ، لمكان العرب من البداوة والتوحش ، وبعدهم عن الصنائع . وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف ، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم ، وكانت غير محكمة الإجادة ، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها . ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها ، تبركا بما رسمه أصحاب رسول اللّه ، وخير الخلق من بعده ، المتلقون لوحيه من كتاب اللّه وكلامه ، كما يقتفى لهذا العهد خط ولى أو عالم تبركا ، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا . وأين نسبة ذلك من الصحابة رضوان اللّه عليهم فيما كتبوه ، فاتبع ذلك وأثبت رسما ، ونبه علماء الرسم على مواضعه . ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط ، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل ، بل لكلها وجه . . . وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة رضوان اللّه عليهم ، عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال ، فنزهوهم عن نقصه ، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته ، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه ، وليس ذلك بصحيح . واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم ، إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية ، والكمال في الصنائع إضافي وليس بكمال مطلق ، إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ، ولا في الخلال . وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه ، لأجل دلالته على ما في النفوس .