ابن الجوزي
18
فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن
كان على مذهبي ، لبذلت روحي في خدمته ، فردّ الركن إلى بغداد . وكان السبب في خلاص الشيخ أنّ ولده يوسف نشأ واشتغل ، وعمل في هذه المدة بالوعظ وهو صبي ، وتوصّل حتى شفعت أمّ الخليفة ، وأطلقت الشيخ ، وأتى إليه ابنه يوسف ، فخرج ، وما ردّ من واسط حتى قرأ هو وابنه بتلقينه بالعشر على ابن الباقلانيّ ، وسنّ الشيخ نحو الثمانين ، فانظر إلى هذه الهمّة العالية . نقل هذا الحافظ ابن نقطة عن القاضي محمد بن أحمد بن حسن . قال الموفّق عبد اللطيف في تأليف له : كان ابن الجوزيّ لطيف الصّورة ، حلو الشمائل ، رخيم النّغمة ، موزون الحركات والنّغمات ، لذيذ المفاكهة ، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون ، لا يضيّع من زمانه شيئا ، يكتب في اليوم أربع كراريس ، وله في كلّ علم مشاركة ، لكنّه كان في التفسير من الأعيان ، وفي الحديث من الحفّاظ ، وفي التاريخ من المتوسّعين ، ولديه فقه كاف ، وأما السّجع الوعظيّ ، فله فيه ملكة قويّة ، وله في الطبّ كتاب « اللقط » مجلدان . قال : وكان يراعي حفظ صحّته ، وتلطيف مزاجه ، وما يفيد عقله قوة ، وذهنه حدّة . جلّ غذائه الفراريج والمزاوير ، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات ، ولباسه أفضل لباس : الأبيض الناعم المطيّب ، وله ذهن وقّاد ، وجواب حاضر ، ومجون ومداعبة حلوة ، ولا ينفكّ من جارية حسناء ، قرأت بخطّ محمد بن عبد الجليل الموقانيّ أن ابن الجوزيّ شرب البلاذر ، فسقطت لحيته ، فكانت قصيرة جدا ، وكان يخضبها بالسّواد إلى أن مات . قال : وكان كثير الغلط فيما يصنّفه ، فإنّه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره . قلت : هكذا هو له أوهام وأوان من ترك المراجعة ، وأخذ العلم من صحف ، وصنّف شيئا لو عاش عمرا ثانيا ، لما لحق أن يحرّره ويتقنه . قال سبطه : جلس جدّي تحت تربة أمّ الخليفة عند معروف الكرخيّ ، وكنت حاضرا ، فأنشد أبياتا ، قطع عليها المجلس وهي :