ابن الجوزي
17
فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن
وكان في المجلس رجل يحسّن كلامه ، ويزهزه له ، فسكت يوما ، فالتفت إليه أبو الفرج ، وقال : هارون لفظك معين لموسى نطقي ، فأرسله معي ردءا . وقال يوما : أهل الكلام يقولون : ما في السماء رب ، ولا في المصحف قرآن ، ولا في القبر نبي ، ثلاث عورات لكم . وحضر مجلسه بعض المخالفين ، فأنشد على المنبر : ما للهوى العذريّ في ديارنا * أين العذيب من قصور بابل وقال - وقد تواجد رجل في المجلس - : وا عجبا ، كلّنا في إنشاد الضّالة سواء ، فلم وجدت أنت وحدك : قد كتمت الحبّ حتّى شفّني * وإذا ما كتم الداء قتل بين عينيك علالات الكرى * فدع النّوم لربّات الحجل وقد سقت من أخبار الشيخ أبي الفرج كراسة في « تاريخ الإسلام » . وقد نالته محنة في أواخر عمره ، ووشوا به إلى الخليفة الناصر عنه بأمر اختلف في حقيقته ، فجاء من شتمه ، وأهانه ، وأخذه قبضا باليد ، وختم على داره ، وشتّت عياله ، ثم أقعد في سفينة إلى مدينة واسط ، فحبس بها في بيت حرج ، وبقي هو يغسل ثوبه ، ويطبخ الشيء ، فبقى على ذلك خمس سنين ما دخل فيها حمّاما . قام عليه الركن عبد السّلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر ، وكان ابن الجوزي لا ينصف الشيخ عبد القادر ، ويغضّ من قدره ، فأبغضه أولاده ، ووزر صاحبهم ابن القصّاب ، وقد كان الركن رديء المعتقد ، متفلسفا ، فأحرقت كتبه بإشارة ابن الجوزيّ ، وأخذت مدرستهم ، فأعطيت لابن الجوزي ، فانسمّ الركن ، وقد كان ابن القصّاب الوزير يترفّض ، فأتاه الركن ، وقال : أين أنت عن ابن الجوزيّ الناصبيّ ؟ ، وهو أيضا من أولاد أبي بكر ، فصرّف الركن في الشيخ ، فجاء ، وأهانه ، وأخذه معه في مركب ، وعلى الشيخ غلالة بلا سراويل ، وعلى رأسه تخفيفة ، وقد كان ناظر واسط ، شيعيّا أيضا ، فقال له الركن : مكّنّي من هذا الفاعل لأرميه في مطمورة ، فزجره ، وقال : يا زنديق ، أفعل هذا بمجرد قولك ؟ هات خطّ أمير المؤمنين ، واللّه لو