مركز الثقافة والمعارف القرآنية
95
علوم القرآن عند المفسرين
الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . . . « 1 » الآية . ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب ، وظل زائل ، وترك ما هو المقصود منها ، وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى . وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير . ولما قال تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ « 2 » نظر الكفار إلى ظاهر العدد . فقال أبو جهل ، فيما روى : لا يعجز كل عشر منكم أن يبطشوا برجل منهم . فبيّن اللّه تعالى باطن الأمر بقوله : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . . « 3 » ، إلى قوله : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا « 4 » . وقال : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ « 5 » ، فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا . وقال تعالى : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . . . « 6 » . وقال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ . . . « 7 » الآية . لما نزل القرآن ، الذي هو الهدى للناس ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر بن الحرث بأخبار فارس والجاهلية ، أو بالغناء ، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل اللّه . وقال تعالى في المنافقين : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ . . . « 8 » وهذا عدم فقه منهم . لأن من علم أن اللّه هو الذي بيده ملكوت كل شيء ، وأنه هو مصرف الأمور ، فهو الفقيه . ولذلك قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ « 9 » . وكذلك قوله تعالى : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ « 10 » لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحده ثم انصرفوا . فاعلم أن اللّه تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه . وإذا ثبت ذلك فهو لفهمهم مراد اللّه من خطابه ، وهو باطنه .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 26 . ( 2 ) سورة المدثر : الآية 27 - 30 . ( 3 ) سورة المدثر : الآية 31 . ( 4 ) سورة المدثر : الآية 31 . ( 5 ) سورة المنافقون : الآية 8 . ( 6 ) سورة المنافقون : الآية 8 . ( 7 ) سورة لقمان : الآية 6 . ( 8 ) سورة الحشر : الآية 13 . ( 9 ) سورة الحشر : الآية 13 . ( 10 ) سورة التوبة : الآية 127 .