مركز الثقافة والمعارف القرآنية

80

علوم القرآن عند المفسرين

هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ « 1 » والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة ، ويدخل في ذلك الإيمان باللّه وأسمائه وصفاته وملائكته ، والجنة والنار فالإيمان باللّه وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب ، فإن وصف الرسالة هو من الغيب ، وتفضيل ذلك هو الإيمان باللّه وملائكته ، وكتبه ورسله واليوم الآخر ، كما ذكر اللّه تعالى ذلك في قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ « 2 » . وقال : وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً « 3 » والعلم بأحوال القلوب ، كالعلم بالاعتقادات الصحيحة ، والفاسدة ، والإرادات الصحيحة والفاسدة ، والعلم بمعرفة اللّه ومحبته « 4 » والإخلاص « 5 » له وخشيته ، والتوكل « 6 » عليه ، والرجاء له ، والحب فيه والبغض فيه ، والرضا بحكمه والإنابة إليه ، والعلم بما يحمد ويذم من أخلاق النفوس ، كالسخاء ، والحياء ، والتواضع ، والكبر والعجب ، والفخر ، والخيلاء . وأمثال ذلك من العلوم المتعلقة بأمور باطنة في القلوب ونحوه - قد يقال له : علم الباطن أي علم بالأمر الباطن ، فالمعلوم هو الباطن ، وأما العلم الظاهر فهو ظاهر يتكلم به ويكتب ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة ، وكلام السلف وأتباعهم ، بل غالب آي القرآن هو من هذا العلم ، فإن اللّه أنزل القرآن وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ « 7 » بل هذا العلم هو العلم بأصول الدين فإن اعتقاد القلب أصل لقول اللسان ، وعمل القلب أصل

--> الذي تدركه بديهته وبصيرته . لقد كان الايمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة ، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان كجماعة الماديين في كل زمان ، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى ، إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ، ويسمون هذه تقدمية وهو النكسة التي وقى اللّه المؤمنين إياها ، فجعل صفتهم المميزة صفة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ والحمد للّه على نعمائه والنكسة للمنتكسين والمرتكسين . في ظلال القرآن ج 1 ص 40 . ( 1 ) سورة البقرة : الآية 1 - 3 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 177 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 136 . ( 4 ) قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ سورة آل عمران : الآية 31 . ( 5 ) قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ سورة البينة : الآية 5 . ( 6 ) قال تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا سورة الأحزاب : الآية 3 . ( 7 ) سورة يونس : الآية 57 .