مركز الثقافة والمعارف القرآنية

64

علوم القرآن عند المفسرين

انطباقا صحيحا ، على أنه منقوض بآيات الأحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها . الرابع عشر : أن المحكم ما أريد به ظاهره والمتشابه ما أريد به خلاف ظاهره ، وهذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث ، وعليه يبتني اصطلاحهم في التأويل : أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام ، وكأنه أيضا مراد من قال : إن المحكم ما تأويله تنزيله ، والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل . وفيه : أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه فإن المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله ، وليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم بأن له تأويلا ، بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها ومتشابهها كما مر بيانه . على أنه ليس في القرآن آية أريد فيها ما يخالف ظاهرها ، وما يوهم ذلك من الآيات إنما أريد بها معان تعطيها لها آيات اخر محكمة ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن - متصلة أو منفصلة - للفظ ليس بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن دينه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض ، ويشهد بعضه على بعض ويرتفع كل اختلاف وتناف متراء بالتدبر فيه ، قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . الخامس عشر : ما عن الأصم : أن المحكم ما اجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه ، وكأن المراد بالإجماع والاختلاف كون مدلول الآية بحيث تختلف فيه الأنظار أو لا تختلف . وفيه : أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها وينافيه التقسيم الذي في الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلا وفيها اختلاف ما : إما لفظا أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها ، حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلا بقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً « 2 » ، غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتنى على كون ما استدل به آية محكمة وهو يناقض قوله ، وذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له .

--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 . ( 2 ) سورة الزمر : الآية 23 .