مركز الثقافة والمعارف القرآنية

54

علوم القرآن عند المفسرين

وما قيل فيه ( إنا ) لدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه : إذ كانوا رسله ، وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده ، ولهذا لا يقول : فإيانا فاعبدوا ، ولا إيانا فارهبوا . بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص ، وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها الملائكة قال : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً « 1 » ، فَإِذا قَرَأْناهُ « 2 » ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ « 3 » ونحو ذلك . مع أن تأويل هذا - وهو حقيقة ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم - لا يعلمه إلا اللّه ، كما قد بسط في غير هذا الموضع . و « المقصود هنا » أن الواجب أن يجعل ما قاله اللّه ورسوله هو الأصل ، ويتدبر معناه ويعقل ، ويعرف برهانه ودليله ، أما العقلي وإما الخبري السمعي ، ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا ، وتجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة ، فيقال لأصحاب هذه الألفاظ : يحتمل كذا وكذا ، ويحتمل كذا وكذا ، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل ، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد . وهذا مثل لفظ « المركب » و « الجسم » و « المتحيز » و « الجوهر » و « الجهة » و « العرض » ونحو ذلك ، ولفظ « الحيز » ونحو ذلك . فإن هذه الألفاظ ، لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يجيده أهل هذا الاصطلاح ، بل ولا في اللغة أيضا ، بل هم يختصون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ ، فيفسر تلك المعاني

--> ( 1 ) سورة الفتح : الآية 1 . روى محمد بن إسحاق عن الزهري ، عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها . وفي الصحيحين عن زيد بن أسلم عن أبيه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه آله وسلّم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأل عمر عن شيء فلم يجبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه آله وسلّم ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه . فقال عمر بن الخطاب : ثكلت أم عمر فزرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه آله وسلّم ثلاث مرات كل ذلك لم يجبك ، فقال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآنا فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن ينزل في قرآنا فجئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه آله وسلّم فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس - ثم قرأ - إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لفظ البخاري ، قال الترمذي : حديث حسن غريب صحيح ، وفي صحيح مسلم عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال : لما نزلت إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة ، وقد نحر الهدي بالحديبية فقال : « لقد أنزلت عليّ سورة هي أحب إلي من الدنيا جميعا » . ( 2 ) سورة القيامة : الآية 18 . ( 3 ) سورة القصص : الآية 3 .