مركز الثقافة والمعارف القرآنية

51

علوم القرآن عند المفسرين

الملّتين المقرين بحشر الأجساد ، تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي في الجنة من الروحاني والسماع الطيب والروائح العطرة . كل ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته ، وكان في هذا أيضا متبعا للمتشابه ، إذ الأسماء تشبه الأسماء ، والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها . فهؤلاء يتبعون هذا المتشابه ابتغاء الفتنة بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون في الجنة هذه الحقائق ، وابتغاء تأويله ليردوه إلى المعهود الذي يعلمونه في الدنيا . قال اللّه تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فان تلك الحقائق قال اللّه فيها : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل . وقوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ، إما أن يكون الضمير عائدا على الكتاب أو على المتشابه ، فإن كان عائدا على الكتاب كقوله : منه ومنه ، فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ فهذا يصح ، فان جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن نؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلا اللّه . وقد يستدل لهذا : أن اللّه جعل التأويل للكتاب كله - مع إخباره أنه مفصل - بقوله : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ « 1 » ، فجعل التأويل الجائى للكتاب المفصّل . وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتا وقدرا ونوعا وحقيقة إلا اللّه ، وإنما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم ( وجود ) نظيره عندنا ، وكذلك قوله : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 2 » . وإذا كان التأويل للكتاب كله - والمراد به ذلك - ارتفعت الشبهة ، وصار هذا بمنزلة قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها . قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ، ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله : إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ « 3 » .

--> ( 1 ) سورة الأعراف . الآية 52 - 53 . ( 2 ) سورة يونس . الآية 39 . ( 3 ) سورة الأعراف : الآية 187 .