مركز الثقافة والمعارف القرآنية

48

علوم القرآن عند المفسرين

وعليه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجمهور التابعين وجماهير الأمة ، ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره ، بل قال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ « 1 » وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات ، وما لا يعقل له معنى لا يتدبر ، وقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ « 2 » ولم يستثن شيئا منه نهى عن تدبره . واللّه ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره اللّه وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه اللّه ، بل أمر بذلك ومدح عليه . يبين ذلك أن التأويل قد روى أن من اليهود - الذين كانوا بالمدينة على عهد النبي صلّى اللّه عليه آله وسلّم كيحيى بن أخطب وغيره - من طلب من حروف الهجاء التي في أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة ، كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين ، وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما ، لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل بعد إسقاط المكرر ، وهذا من نوع تأويل الحوادث التي أخبر بها القرآن في اليوم الآخر . وروي أن من النصارى الذين وفدوا على النبي صلّى اللّه عليه آله وسلّم في وفد نجران من تأويل إنا ونحن على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع . وهذا تأويل في الإيمان باللّه ، فأولئك تأولوا في اليوم الآخر وهؤلاء تأولوا في اللّه « 3 » ، ومعلوم أن إنا ونحن من المتشابه ، فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه ، ويراد بها الواحد المعظم نفسه الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التي كل اسم منها يقوم مقام مسمى ، فصار هذا متشابها ؛ لأن اللفظ واحد

--> ( 1 ) سورة ص : الآية 29 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 82 . ( 3 ) ذكر الطبري : أن آية آل عمران : « وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ » نزلت في جماعة من اليهود كياسر بن أحطب وحى بن أخطب أرادوا أن يعرفوا الفترة التي يمكنها الإسلام على وجه الأرض من معرفتهم تأويل حروف المعجم التي بدئت بعض سور القرآن بها طبقا لنظامهم في حساب الحروف . فاكذب اللّه مقالتهم بقوله ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) . روى ذلك عن جابر بن رئاب . ومال الطبري إلى هذا الرأي . وذكر الطبري سببا آخر لنزول الآية . فقيل : إنها نزلت في وفد نجران حينما ناظروا الرسول في أمر المسيح ودعاهم الرسول إلى المباهلة . وأرادوا أن يتأولوا قوله تعالى : ( إِنَّا . . . وَنَحْنُ ) على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير للجمع وليس للمفرد . فاكذب اللّه مقالتهم أيضا بقوله : ( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) وعامة هذه السورة ( آل عمران ) في أمر المسيح وأهل الكتاب مما يجعلنا نميل إلى الرأي الثاني في سبب النزول . أنظر الطبري ج 6 ص 180 - 209 ، ج 3 ص 180 .