مركز الثقافة والمعارف القرآنية
114
علوم القرآن عند المفسرين
المشاق والنظر والاستدلال إلى فهم المراد ، فيستحقوا به عظيم المنزلة وعالي الرتبة » « 1 » . قال الراغب في بيان حكمة اللّه تعالى في جعله بعض الآيات متشابها : « سئل بعض العابدين ، فقيل له : ما بال القرآن جعل بعضه محكما وبعضه متشابها ؟ وهلا جعله كله على نمط المحكم حتى كان يكفي الانسان مئونة النظر الذي قل ما سلم متعاطيه من زلة ؟ وهذه مسألة نسأل عنها في الأحكام أيضا فنقول : هلا بينها كلها حتى يستغنى عن جهد الرأي الذي لا يؤمن خطؤه ؟ بل سئل عنها في أصل التكليف فيقال : هلا خوّلنا اللّه إنعامه بلا مشقة ولا مؤنة حتى كان عطاؤه أهنأ منالا ؟ فقال : الجواب عن جميع ذلك واحد ، وهو أن اللّه تعالى خص الانسان بالفكر والتمييز ، وشرفه بهما ، حتى قال تعالى : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا « 2 » ، وجعله بذلك خليفة في الأرض ، فقال للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 3 » ، وقال تعالى : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ « 4 » ، وقال تعالى : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ « 5 » الآية ، وقال تعالى : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها « 6 » ، وكفاه شرفا بما أعطاه من هذه المنزلة أنه قد يصير لأجلها شريفا موصوفا بالعلم والحلم والحكمة ، وكثير من الصفات التي هي من صفاته تعالى ، وإن لم تكن « 7 » على حدها وحقيقتها . ولما خصه اللّه تعالى بهذه الفضيلة - أعني بالفكر والروية - أعطاه كل ما أعطاه من المعارف « 8 » قاصرة عن درجة الكمال ، ليكمله الانسان بفكرته ، لئلا تتعطل « 9 » فائدتها ، وإلا كان موجدا لما لا فائدة فيه « 10 » ، وذلك شنيع ينزه عنه الباري سبحانه ، وعلى ذلك أحوال كل ما أوجده لنا من المأكولات والمشروبات ، لأنه أوجد لنا أصول الأغذية ، ثم
--> ( 1 ) التبيان ج 1 ص 9 - 10 . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 70 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 30 . ( 4 ) سورة النور : الآية 55 . ( 5 ) سورة الأعراف : الآية 125 . ( 6 ) سورة هود : الآية 61 . ( 7 ) في نسخة : يكن . ( 8 ) في نسخة : المعاون . وهو تصحيف . ( 9 ) في نسخة : يتعطل . ( 10 ) في نسخة : كانت موجودا لا فائدة فيه .