مركز الثقافة والمعارف القرآنية
102
علوم القرآن عند المفسرين
وقوله عليه السّلام : « منه ما مضى ومنه ما يأتي » ، ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التنزيل والتأويل ، فقوله : « يجري كما تجري الشمس والقمر » يجري فيهما معا ، فينطبق في التنزيل على الجري الذي اصطلحت عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ « 1 » ، على كل طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخرة عن زمان نزول الآية ، وهذا نوع من الانطباق ، وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النفس ، وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين ، وهذا نوع آخر من الانطباق أدق من الأول ، وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر اللّه تعالى ، وهذا نوع آخر أدق من ما تقدمه ، وكانطباقها عليهم في قصورهم الذاتي عن أداء حق الربوبية ، وهذا نوع آخر أدق من الجميع . ومن هنا يظهر أولا : أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم ، وقد صور الباحثون عن مقامات الإيمان والولاية من معانيه ما هو أدق مما ذكرناه . وثانيا : أن الظهر والبطن أمران نسبيان ، فكل ظهر بطن بالنسبة إلى ظهره وبالعكس كما يظهر من الرواية التالية . وفي تفسير العياشي عن جابر قال : سألت أبا جعفر عليه السّلام عن شيء من تفسير القرآن فأجابني ، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر ، فقلت : جعلت فداك كنت أجبت في المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم ! فقال : « يا جابر إن للقرآن بطنا وللبطن بطن ، وظهرا وللظهر ظهر ، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ، إن الآية تكون أولها في شيء وأوسطها في شيء ، وآخرها في شيء وهو كلام متصل ينصرف على وجوه » . وفيه أيضا عنه عليه السّلام في حديث قال : « ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ، ولكن القرآن يجري أوله على آخره ما دامت
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 119 .