مركز الثقافة والمعارف القرآنية
666
علوم القرآن عند المفسرين
وهذا القول مخالف للروايات المستفيضة المتقدمة ، وهو مع ذلك قول بغير علم . الثالث : ان الايتاء الذي أمرت به الآية الكريمة قد قيد بيوم الحصاد فلا بد أن يكون هذا الحق غير الزكاة ، لأنها تؤدى بعد التنقية والكيل . ومما يشهد على أن هذا الحق غير الزكاة أنه قد ورد في عدة من الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السّلام النهي عن حصاد الليل ، معللا في بعضها أنه يحرم منه القانع والمعتر « 1 » . وروى جعفر بن محمد بن إبراهيم ، باسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده : « ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نهى عن الجداد بالليل ، والحصاد بالليل . قال جعفر : أراه من أجل المساكين » « 2 » . وأما ما قيل في توجيه ذلك : إن يوم الحصاد يمكن أن يكون ظرفا لتعلق الحق بالمال لا للايتاء فيبطله : 1 - أنه خلاف الظاهر الذي يفهمه العرف من الآية ، بل كاد يكون خلاف صريحها ، فان الظرف إنما يتعلق بما تدل عليه مادة الفعل ، ولا يتعلق بما تدل عليه هيئته ، فإذا قيل : أكرم زيدا يوم الجمعة كان معناه أن يوم الجمعة ظرف لتحقق الاكرام ، لا أنه ظرف لوجوبه . 2 - أن الزكاة لا تجب يوم الحصاد . بل يتعلق الحق بالمال إذا انعقد الحب ، وصدق عليه اسم الحنطة والشعير . وعلى ذلك فذكر يوم الحصاد في الآية قرينة قطعية على أن هذا الحق هو غير الزكاة . ومما يؤيد أن هذا الحق هو غير الزكاة : أنه تعالى نهى في هذه الآية عن الاسراف ، وذلك لا يناسب الزكاة المقدرة بالعشر ونصف العشر . وإذا اتضح أن الحق الذي أمرت الآية الكريمة بايتائه هو غير الزكاة الواجبة لم تكن الزكاة ناسخة له . وجملة القول : إن دعوى النسخ في الآية المباركة تتوقف على إثبات وجوب حق آخر في الزروع حتى ينسخ بوجوب الزكاة ، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك . لأن ظهور الأمر في الوجوب ، وظهوره في الدوام والاستمرار لا يمكن الاحتفاظ بهما جميعا في
--> ( 1 ) تفسير البرهان ج 1 ص 338 . ( 2 ) سنن البيهقي ج 4 ص 133 .