مركز الثقافة والمعارف القرآنية

657

علوم القرآن عند المفسرين

وكلا هذين القولين ظاهر الفساد : أما القول الأول : فلان الآية الكريمة لا دلالة فيها على جواز شرب الخمر بوجه ، وإن فرض أن تحريم الخمر لم يكن في زمان نزول الآية ، فالآية لا تعرض لها لحكم الخمر رخصة أو تحريما . على أن هذا مجرد فرض لا وقوع له . ففي رواية ابن عمر : « نزلت في الخمر ثلاث آيات فأول شيء نزل : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما « 1 » . فقيل حرمت الخمر ، فقيل يا رسول اللّه دعنا ننتفع بها ، كما قال اللّه عزّ وجلّ ، فسكت عنهم ، ثم نزلت هذه الآية : « 2 » لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى « 3 » . وروى نحو ذلك أبو هريرة « 4 » . وروى أبو ميسرة عن عمر بن الخطاب قال : « لما نزل تحريم الخمر . قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ « 5 » . قال فدعي عمر فقرئت عليه . فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في سورة النساء : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى « 6 » . فكان منادي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا أقام الصلاة نادى لا يقربنّ الصلاة سكران ، فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه ، فلما بلغ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ « 7 » . قال : فقال عمر : انتهينا انتهينا « 8 » . وأخرج النسائي أيضا هذا الحديث باختلاف يسير في ألفاظه « 9 » . وأما القول الثاني : فلأن وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة لا مساس له بمضمون الآية الكريمة ليكون ناسخا لها .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 219 . ( 2 ) مسند الطيالسي ج 8 ص 264 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 43 . ( 4 ) مسند أحمد ج 2 ص 351 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 219 . ( 6 ) سورة النساء : الآية 43 . ( 7 ) سورة المائدة : الآية 91 . ( 8 ) نفس المصدر ج 1 ص 53 . ( 9 ) سنن النسائي باب تحريم الخمر ج 2 ص 323 .