مركز الثقافة والمعارف القرآنية
658
علوم القرآن عند المفسرين
ولعل القائل بالنسخ يتوهم فيقول : إن النهي عن القرب إلى الصلاة - حالة السكر - يقتضي أن يراد بالسكر ما لا يبلغ بالشخص إلى حد الغفلة عن التكاليف وامتثالها ، وعدم الالتفات إليها . فان الذي يصل به السكر إلى هذا الحد يكون تكليفه قبيحا . وعلى ذلك فإذا فرضنا أن شخصا شرب الخمر ، وحصل له هذا المقدار من السكر فهو مكلف بالصلاة بالإجماع ، وذلك يستلزم نسخ مفاد الآية . ولكن هذا القول توهم فاسد ، فان المراد بالسكر بقرينة قوله تعالى : حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ « 1 » . هي المرتبة التي يفقد السكران معها الشعور ، وهذا النهي قد يحمل على الحرمة التكليفية ، ولا ينافيها فقد الشعور ، لأن إقامة الصلاة في ذلك الحال ، وإن كانت غير مقدورة الا أن فقده لشعوره هذا كان باختياره ، والممتنع بالاختيار لا ينافي صحة العقاب عليه عقلا فيصح تعلق النهي بها قبل أن يتناول المسكر باختياره . ومثل هذا كثير في الشريعة الإسلامية . وقد يراد من النهي : الإرشاد إلى فساد الصلاة في هذا الحال ، كما هو الظاهر من مثل هذا التركيب . والأمر على هذا الاحتمال واضح جدا . وعلى كل ، فلا سبب يوجب الالتزام بالنسخ في الآية . 16 - إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا « 2 » . فقد ذكروا : أن الآية منسوخة بالأمر بنبذ ميثاق المشركين ، وبالأمر بقتالهم سواء أكانوا اعتزلوا المسلمين أم لم يعتزلوهم ، فيكون في الآية موردان للنسخ . والجواب : إن الآية الكريمة نزلت في شأن المنافقين الذين تولوا وكفروا بعد اسلامهم في الظاهر . والدليل على ذلك سياق الآية الكريمة . فقد قال اللّه تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 43 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 90 .