مركز الثقافة والمعارف القرآنية
655
علوم القرآن عند المفسرين
منسوخة أيضا بآية المواريث « 1 » ، وإن قلنا بما ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه من ثبوت الإرث بهذا العقد كانت الآية محكمة غير منسوخة . وقد استدلوا على ذلك بأن آية المواريث لم تنف ارث غير أولى الأرحام ، وإنما قدّمتهم على غيرهم ، فلا تنافي بين الآيتين . لتكون آية المواريث ناسخة لهذه الآية « 2 » . والحق : إن المراد بالآية ما هو ظاهرها الذي يفهم منها ، وهو ثبوت الإرث بالمعاقدة ، ومع ذلك فلا نسخ لمدلول الآية . وبيان ذلك : إن سياق الآية يقتضي أن يكون المراد بالنصيب المذكور فيها هو الإرث ، وحمله على النصرة وما يشبهها خلاف ظاهرها ، بل كاد يكون صريحها . ثم إن ذكر الطوائف الثلاث في الآية لا يدل على اشتراكهم وتساويهم في الطبقة ، فان الولد يرث أبويه ولا يرث معه أحد من أقرباء الميت من اولي أرحامه . فالذي يستفاد من الآية الكريمة ان الموروث هو هذه الطوائف الثلاث ، وأما ترتيب الإرث وتقدم بعض الوراث على بعض فلا يستفاد من الآية ، وقد استفيد ذلك من الأدلة الأخرى في الكتاب والسنة . وعلى هذا الذي ذكرناه تكون الآية الكريمة جامعة لجميع الوراث على الإجمال ، فالولد يرث ما تركه الوالدان ، والأقربون من اولي الأرحام يرث بعضهم بعضا ، ومن عقد معه يرث في الجملة تشريكا أو ترتيبا . وتفصيل ذلك : إن الإرث من غير جهة الرحم لا بد له من تحقق عقد والتزام من العاقد بيمينه وقدرته ، وهو تارة يكون من جهة الزواج ، فكل من الزوجين يرث صاحبه بسبب عقد الزواج الذي تحقق بينهما ، وتارة يكون من جهة عقد البيعة والتبعية ، ويسمى ذلك بولاء الإمامة ، ولا خلاف في ثبوت ذلك الرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقد ورد في عدة روايات من طرق أهل السنة انه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « أنا وارث من لا وارث له » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 490 . ( 2 ) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 185 . ( 3 ) رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة : المنتقى ج 2 ص 462 .