مركز الثقافة والمعارف القرآنية

628

علوم القرآن عند المفسرين

وجملة القول : ان ثبوت النسخ في الآية يتوقف على اثبات وجوب الانقياد على القاتل بمجرد مطالبة ولي المرأة بالقصاص ، كما عليه الجمهور . وأنى لهم إثباته ، فإنهم قد يتمسكون لإثباته باطلاق الآية الثانية على ما صرحوا به في كلماتهم ، وبعموم قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » وقد عرفت ما فيه . وقد يتمسكون لإثبات ذلك بما رووه عن قتادة عن سعيد بن المسيب : أن عمر قتل نفرا من أهل صنعاء بامرأة وقادهم بها . وعن ليث عن الحكم عن علي وعبد اللّه قالا : « إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود » . وعن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « إن الرجل يقتل بالمرأة » « 1 » . وهو باطل من وجوه : 1 - إن هذه الروايات - لو فرضت صحتها - مخالفة للكتاب ، وما كان كذلك لا يكون حجة . وقد عرفت - فيما تقدم - قيام الإجماع على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد . 2 - إنها معارضة بالروايات المروية عن أهل البيت عليهم السّلام وبما رواه عطاء ، والشعبي ، والحسن البصري عن علي عليه السّلام أنه قال في قتل الرجل امرأة : « إن أولياء المرأة إن شاءوا قتلوا الرجل وأدّوا نصف الدية ، وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل » « 2 » . 3 - إن الرواية الأولى منها من المراسيل ، فان ابن المسيب ولد بعد مضي سنتين من خلافة عمر « 3 » فتبعد روايته عن عمر بلا واسطة ، وإذا سلمنا صحتها فهي تشتمل على نقل فعل عمر ، ولا حجية لفعله في نفسه ، وأن الرواية الثانية ضعيفة مرسلة . وأما الرواية الثالثة فهي على فرض صحتها مطلقة ، وقابلة لأن تقيد بأداء نصف الدية . ونتيجة ما تقدم : إن الآية الكريمة لم يثبت نسخها بشيء ، وأن دعوى النسخ إنما هي بملاحظة فتوى جماعة من الفقهاء ، وكيف يمكن أن ترفع اليد عن قول اللّه تعالى بملاحظة قول زيد أو

--> ( 1 ) احكام القرآن للجصاص ج 1 ص 139 . ( 2 ) نفس المصدر ج 1 ص 120 . ( 3 ) تهذيب التهذيب ج 4 ص 86 .