مركز الثقافة والمعارف القرآنية

591

علوم القرآن عند المفسرين

أحدهما : من جهة أن الآية إذا كانت من عند اللّه تعالى كانت حافظة لمصلحة من المصالح الحقيقة لا يحفظها شيء دونها ، فلو زالت الآية فاتت المصلحة ولن يقوم مقامها شيء تحفظ به تلك المصلحة ، ويستدرك به ما فات منها من فائدة الخلقة ومصلحة العباد ، وليس شأنه تعالى كشأن عباده ولا علمه كعلمهم بحيث يتغير بتغير العوامل الخارجية ، فيتعلق يوما علمه بمصلحة فيحكم بحكم ثم يتغير علمه غدا ويتعلق بمصلحة أخرى فاتت عنه بالأمس ، فيتغير الحكم ، ويقضي ببطلان ما حكم سابقا ، وإتيان آخر لاحقا ، فيطلع كل يوم حكم ، ويظهر لون بعد لون ، كما هو شأن العباد غير المحيطين بجهات الصلاح في الأشياء ، فكانت أحكامهم وأوضاعهم تتغير بتغير العلوم بالمصالح والمفاسد زيادة ونقيصة وحدوثا وبقاء ، ومرجع هذا الوجه إلى نفي عموم القدرة وإطلاقها . وثانيهما : أن القدرة وإن كانت مطلقة إلا أن تحقق الإيجاد وفعلية الوجود يستحيل معه التغير ، فان الشيء لا يتغير عما وقع عليه بالضرورة ، وهذا مثل الإنسان في فعله الاختياري فان الفعل اختياري للانسان ما لم يصدر عنه ، فإذا صدر كان ضروري الثبوت غير اختياري له ، ومرجع هذا الوجه إلى نفي اطلاق الملكية وعدم جواز بعض التصرفات بعد خروج الزمام ببعض آخر ، كما قالت اليهود : يد اللّه مغلولة : فأشار سبحانه إلى الجواب عن الأول بقوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 1 » أي فلا يعجز عن إقامة ما هو خير من الفائت أو أقامه ، ما هو مثل الفائت مقامه وأشار إلى الجواب عن الثاني بقوله : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ « 2 » ، أي إن ملك السماوات والأرض للّه سبحانه ، فله أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وليس لغيره شئ من الملك حتى يوجب ذلك انسداد باب من أبواب تصرفه سبحانه ، أو يكون مانعا دون تصرف من تصرفاته ، فلا يملك شيء شيئا ، لا ابتداء ولا بتمليكه تعالى ، فان التمليك الذي يملّكه غيره ليس كتمليك بعض بعضا شيئا بنحو يبطل ملك الأول ويحصل ملك الثاني ، بل هو مالك في عين ما يملّك غيره ما يملك ، فإذا نظرنا إلى حقيقة الأمر كان الملك المطلق والتصرف المطلق له وحده ، وإذا نظرنا إلى ما ملّكنا بملكه من دون استقلال كان هو الولي

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 106 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 107 .