مركز الثقافة والمعارف القرآنية

592

علوم القرآن عند المفسرين

لنا ، وإذا نظرنا إلى ما تفضل علينا من ظاهر الاستقلال - وهو في الحقيقة فقر في صورة الغنى ، وتبعية في صورة الاستقلال - لم يمكن لنا أيضا أن ندبر أمورنا من دون إعانة ونصرة ، كان هو النصير لنا . وهذا الذي ذكرناه هو الذي يقتضيه الحصر الظاهر من قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقوله تعالى : أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ألم تعلم أن اللّه له ملك السماوات والأرض ، مرتب على ترتيب ما يتوهم من الاعتراضين ، ومن الشاهد على كونهما اعتراضين اثنين الفصل بين الجملتين من غير وصل ، وقوله تعالى : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ « 1 » ، مشتمل على أمرين هما كالمتممين للجواب ، أي : وإن لم تنظروا إلى ملكه المطلق ، بل نظرتم إلى ما عندكم من الملك الموهوب فحيث كان ملكا موهوبا من غير انفصال واستقلال فهو وحده وليكم ، فله أن يتصرف فيكم وفي ما عندكم ما شاء من التصرف ، وإن لم تنظروا إلى عدم استقلالكم في الملك بل نظرتم إلى ظاهر ما عندكم من الملك والاستقلال وانجمدتم على ذلك فحسب ، فإنكم ترون أن ما عندكم من القدرة والملك والاستقلال لا تتم وحدها ، ولا تعجل مقاصدكم مطيعة لكم خاضعة لقصودكم وإرادتكم وحدها ، بل لا بد معها من إعانة اللّه ونصره فهو النصير لكم ، فله أن يتصرف من هذا الطريق فله سبحانه التصرف في أمركم من أي سبيل سلكتم هذا ، وقوله : وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، جيء فيه بالظاهر موضع المضمر نظرا إلى كون الجملة بمنزلة المستقل من الكلام لتمامية الجواب دونه . فقد ظهر مما مرّ : أولا ، ان النسخ لا يختص بالأحكام الشرعية بل يعم التكوينيات أيضا . وثانيا : ان النسخ لا يتحقق من غير طرفين ناسخ ومنسوخ . وثالثا : ان النسخ يشتمل على ما في المنسوخ من كمال أو مصلحة . ورابعا : ان الناسخ ينافي المنسوخ بحسب صورته وإنما يرتفع التناقض بينهما من جهة اشتمال كليهما على المصلحة المشتركة ، فإذا توفي نبي وبعث نبي آخر وهما آيتان من آيات اللّه تعالى أحدهما ناسخ للآخر ، كان ذلك جريانا على ما يقتضيه ناموس الطبيعة من

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 107 .