مركز الثقافة والمعارف القرآنية
588
علوم القرآن عند المفسرين
قال وجدي في الناسخ والمنسوخ من القرآن : « النسخ لغة معناه ، الإزالة ، ونسخ اللّه آية بآية أي : أبطل حكم الأولى بالثانية ، كما قال تعالي : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 1 » . وقد اتخذ أعداء القرآن هذا النسخ من المطاعن عليه واستدلوا به على أنه كلام محمد لا كلام اللّه . قالوا : لو كان هذا القرآن كلام اللّه لكان ثابتا لا تتغير احكامه بتغير الأحوال . ونحن لرد هذه الشبهة نقول : أنزل اللّه الدين على الأمة العربية لتأخذ بآدابه نفوسها وتروض بتعاليمه افئدتها فتتقمص روحه وتستشعرها فهو دين عملي حيوي . وليس في العالم فلسفة ولا مذهب يلين للإنسان في جميع ادواره ويتنزل معه إلى سائر أطواره الا هذا الدين . وهذه امامك الأديان القديمة المحرفة في جميع قارات العالم قد هجرها الناس ووجدوا لا نفسهم عذرا مقبولا في هجرها ، وهذه المذاهب الاصلاحية في أوروبا كالاشتراك والفوضى وغيرهما كلها متطرفة لا يمكن العمل بها ، الّا الاسلام فلا يستطيع أحد ان يعتذر بعدم امكان العمل به بحجة مناقضة أصوله لمبدأ الحياة أو لأحوال الزمان . هذا الدين الإسلامي يراعي الإنسان في حالة ضعفه وقوته وجهله وعلمه وحربه وسلمه وغناه وفقره وكماله ونقصه إلى آخر ما ينتابه من الأحوال البشرية المتناقضة التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأمزجة ، فهو الدين الطبيعي الذي تقتضيه الطبيعة البشرية ، أو هو بلسان الشرع ، الدين الفطري الذي ينطبق على مطلوب الفطرة . ولما كان كل شيء يتغير في الإنسان وتنتابه الزيادة والنقصان جعل اللّه دينه الأخير صالحا لان يتتبع الإنسان في جميع ادواره لا أهوائه . ولو كان هو دينا من ضمن الأديان المعروفة وكان في علم الخالق ان نبيا يظهر بعد محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لجاءت أصول القرآن مقيدة محدودة ولزالت دولته بزوال رسوله واستعد الناس لاستقبال وحي جديد . ولكن شرع اللّه هذا الدين ليكون دين الانسانية كلها في سائر ادوارها ، وصرح بان الرسول آخر المرسلين ، فكيف يقرر اللّه فيه أصولا مقيدة محدودة ، وقد عرفت ان الانسان لا يتقيد بقيد ولا يدخل ضمن حد وهو من تغير الحال وتلون المزاج ، على ما لا يجهله ابسط الناس علما ؟ .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 106 .