مركز الثقافة والمعارف القرآنية
589
علوم القرآن عند المفسرين
مراعاة لهذه الحالة الطبيعية اقتضت حكمة الخالق جل وعز ان يراعي في تربية الأمة العربية حالها من جميع الوجوه ، فقرر لها أولا احكاما على قدر حاجتها ثم نسخها باحكام أخرى أليق بحالها الذي تحولت اليه ، وهو خالق تلك الأحوال ومسلطها على الإنسان ؟ . على أن النسخ سنة من سنن العالم الطبيعي ظاهرة في الجمادات والنباتات والحيوانات والإنسان نفسه . فترى النواميس الطبيعية تقتضي ان يكون الهواء مثلا ساكنا في هذه الساعة ثم يحدث ما يغيرها فتنسخ هذه الحالة برياح تحدثها وأمطار ترسلها وصواعق تسلطها الخ . وهذه الحوادث من النسخ في العوالم الحية اظهر منها في عالم الجماد ، ومما لا مشاحة فيه ان الإنسان أشد جميع الكائنات تغيرا وتحولا ، ولكل حال حكم كما لا يخفى ، أفلا تكون من حكمة الخالق جل شأنه ان يعدل له الاحكام على حسب قابليته في كل حال من أحواله ؟ . هذا التبديل والنسخ يصح في جهة ما يتعلق به من أحواله الذاتية المتغيرة ، اما الدين نفسه فهو ثابت لا يتغير ولا عذر للانسان في استبدال غيره به ، فإنه أبسط ما يتصور ( انظر فصل الاسلام ) . تطرف بعض الناظرين من المسلمين فحاولوا اثبات عدم وجود ناسخ ومنسوخ في القرآن ، وأوّلوا جميع الآيات الناصة على النسخ ، مثل قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 1 » ، وقوله تعالى : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ « 2 » ، وقوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً « 3 » . وعندي ان تأويل هذه الآيات الصريحة وأمثالها لأجل اثبات عدم وجود ناسخ ومنسوخ في القرآن ، تعسف ظاهر ، وقد جرى جمهور الصحابة على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن ، وكذلك التابعون والأئمة الأربعة وغيرهم ممن تقدمهم وتلاهم ، ولم يخالف هذا السواد الأعظم الّا نفر يعدّون على الأصابع » « 4 » .
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 106 . ( 2 ) سورة النحل : الآية 101 . ( 3 ) سورة الأنفال : الآية 66 . ( 4 ) صفوة العرفان ج 1 ص 170 - 172 .