مركز الثقافة والمعارف القرآنية
585
علوم القرآن عند المفسرين
ومن لوازم الصبر المتقدمة عليه القوة المادية ، والقوة القلبية المعنوية ، فكثيرا ما نرى ونسمع ، أن رجلا واحدا قاوم جماعة عشرة فما فوقها وغلبها ، لاتزاره بالصبر ، وتسلحه بقوة الجنان ، وتمسكه بخالص الإيمان ، واستعذابه الموت في سبيل الواجب ، واستملائه الشهادة في اعلاء كلمة اللّه ، فعلى هذا لا نسخ بالمعنى المراد من النسخ . ومن قال إن الثانية عامة في جميع الأحوال ، قال بنسخ الأولى بالثانية ، وهو بعيد جدا ، وقد اتضح لك بعده . الموضع الثاني : ما يقرب من هاتين الآيتين قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ « 1 » ، وقوله بآخر هذه السورة الآتية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ « 2 » فالأولى صريحة الطلب بقيام جزء من الليل قريب من نصفه . والثانية : تدل على أن الرسول كان قائما في هذا التكليف هو وطائفة من الصحابة ، إلا أن فيها سببا يقتضي التخفيف وهو علمه جل علمه ، بأن يكون في الأصناف الثلاثة المذكورة في الآية الثانية ( مرض أو سفر أو جهاد ) ، فكان التكليف فيها مقصورا على ما تيسر من القرآن المنبئة عن فعل ما تيسر من القيام بقراءة جزء يسير من القرآن ، دون صلاة أو في صلاة ما ، من النفل لقوله بآخر الآية الثانية : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ « 3 » ، فإذا كان كذلك لم يكن نسخا ، وحكمه باق بالنسبة للرسول وللآخرين المعذورين ، وهذا رأي ابن عباس ، وقد اخترته لموافقته للواقع ، ومن قال : إن الأولى عامة والتخفيف عام ، أراد النسخ ، وهو بعيد أيضا . الموضع الثالث : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ، وقوله بعدها : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ « 4 » ، فالأولى تحتم تقديم الصدقة بين يدي النجوى ، والثانية ترفع ذلك التحتيم من غير تصريح بالواقع ، هذا ما يمكن تطبيقه على الأولى ، وهو إعلام النص اللاحق بالغاء
--> ( 1 ) سورة المزمل : الآية 1 - 4 . ( 2 ) سورة المزمل : الآية 20 . ( 3 ) سورة المجادلة : الآية 12 . ( 4 ) سورة الإسراء : الآية 88 .