مركز الثقافة والمعارف القرآنية

586

علوم القرآن عند المفسرين

السابق ، وهذه النصوص الثلاثة كلها لا تعين إفادة النسخ بالمعنى المراد منه ، إذ أنه يجوز في الآيات الثلاث فعل الحالتين المثبتين فيها ، ولو كان المراد نسخ الأولى بالثانية لما جاز فعل الأولى ، بل تحتم فعل الثانية فقط ، وليس كذلك . أما الطريق الثاني : وهو الالتجاء إلى نصين متناقضين لا مجال لتأويلهما أو أحدهما ، فمن العسر جدا ، بل من المحال أن تجد شيئا منه في كتاب اللّه ، وهو المبرأ من كل عيب ، وللّه در أحمد محرم إذ يقول : دستور حق في يمين محمد * يحمي الضعيف وينصف المظلوما لولا بلاغته وروعة نظمه * جهل الرجال اللؤلؤ المنظوما كنز البيان فمن تطلب للفتى * كنزا سواه قضى الحياة عديما فضّت علوم الدهر منه جانبا * وغدا نقضي الجانب المختوما متجدد في كل عصر يبتغي * مما تجيء جديدة وفهو ما وناهيك في هذا قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » . مطلب القائلين بعدم النسخ : وهذا وقد منع أبو مسلم الأصفهاني المفسر الكبير وجود النسخ في القرآن العظيم ، وقد قال الإمام الرازي في تفسيره المشار إليه ، وكذلك الشيخ محي الدين العربي في تفسيره ، ومن عرف مرامي التشريع الإسلامي ، ووقف على لباب التنزيل ، وعرف حكمة التدريج في التشريع الذي مر ذكره في المطلب السابع ، وأمعن النظر في قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ « 2 » ، أيقن أن لا نسخ في كلام اللّه بالمعنى القائلين به ، من أبطال المعنى الأول بالكلية ، وهذا من جملة ما عناه سيدنا علي كرم اللّه وجهه ، بإرادته ترتيب سوره وآياته على حسب النزول ، حينما عقد الشورة الأصحاب في كيفية جمعه وترتيبه على حده ، وحينما أرادوا نسخه على الصحف ، لأنهم كلهم يعلمون أن ترتيب نزوله غير ترتيب جمعه ، وإذ ذاك قال محمد بن سيرين : لعلي من القوة كما أنزل : الأول فالأول ،

--> ( 1 ) سورة المزمّل : الآية 20 . ( 2 ) سورة هود : الآية 1 .