مركز الثقافة والمعارف القرآنية

583

علوم القرآن عند المفسرين

بذلك ، وعلى هذا فاعلم أن النسخ : إما ابطال الحكم المستفاد من نفي سابق بنص لاحق ، مثل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ، فالأول بطلب الكف ، والثاني بالإتيان على الإباحة بحل التحريم . وإما لرفع عموم النص السابق أو تقييده ، كقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ « 1 » ، ثم قال في سورة الأحزاب النازلة بعدها إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ « 2 » ، وكذلك الأمر في عدة الوفاة فإنها قيدت بأربعة أشهر وعشرة أيام في الآية 134 من البقرة أيضا ، ثم قيدت عدة الحامل بوضع الحمل في الآية 4 من سورة الطلاق النازلة بعدها ، فالأول عام للمدخول بها وغيرها ، والثاني أعطى غير المدخول بها حكما خاصا ، وكذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ، ثم قوله بعدها فيها : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ « 3 » فالأول عام في كل قاذف ، والثاني خاص بالزوج لجعله الأيمان الخمسة قائمة مقام الشهادات الأربع . هذا مثال التخصيص . ومثال التقييد قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ « 4 » مع قوله في سورة الأنعام النازلة قبلها : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً « 5 » ، فالدم الوارد في سورة المائدة مطلق ، والوارد في سورة الأنعام مقيد بالسفح فحمل المقيد على المطلق ، وبهذا نعلم أن العام والمطلق لم ينلهما ابطال ، لأن التخصيص والتقيد بمثابة الاستثناء في الحكم . والقاعدة ما من عام إلا وقد خصص ، وما من مطلق إلا وقد قيد في بعض الأحوال ، فيستوي فيه اللاحق المتصل بسابقة والمتراخي عنه والمقدم والمؤخر ، فمن سمى المتقدم أو المتأخر ناسخا ولا يكون المتقدم ناسخا للمتأخر البتة كان بمقتضى التقييد والتخصيص ليس إلا كآية الأنعام بالنزول على آية المائدة ، فمن يسميه ناسخا كان كمن يسميه مقيدا أو مخصصا .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 228 . ( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 49 . ( 3 ) سورة النور : الآية 4 - 5 . ( 4 ) سورة المائدة : الآية 3 . ( 5 ) سورة الأنعام : الآية 145 .