مركز الثقافة والمعارف القرآنية
548
علوم القرآن عند المفسرين
باب المسجد ، وأن يكتبا ما شهد شاهدان على أنه من كتاب اللّه ، وفي هذا شهادة على أن القرآن ليس خارقا للعادة ، لأنه لو كان خارقا للعادة بنفسه لم يحتج إلى الشهادة عليه ، ولكان بنفسه شاهدا على نفسه . أولا : إن القرآن معجزة في بلاغته وأسلوبه ، لا في كل كلمة من كلماته ، واذن فقد يقع الشك في تحريف بعض الكلمات المفردة ، أو في زيادتها ونقصانها . وشهادة الشاهدين - إذا صحت أخبارها - إنما هي لرفع هذه الاحتمالات التي تعرض من سهو القارئ أو من عمده ، على أن عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الإتيان بآية ، أو ما يشبه الآية ، فان ذلك أمر ممكن ، ولم يدع المسلمون استحالة ذلك ، ولم يذكره القرآن عند التحدي بالمعارضة . ثانيا : إن هذه الأخبار التي دلت على جمع القرآن في عهد أبي بكر بشهادة شاهدين من الصحابة كلها أخبار آحاد ، لا تصلح أن تكون دليلا في أمثال ذلك . ثالثا : إنها معارضة باخبار كثيرة دلت على أن القرآن قد جمع في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وكان كثير من الصحابة يحفظ جميع القرآن . وأما الحافظون منهم لبعض سوره وأجزائه فلا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى . على أن النظرة العقلية البسيطة تشهد بكذب تلك الأخبار التي استدل بها الخصم . فان القرآن هو السبب الأعظم في هداية المسلمين ، وفي خروجهم من ظلمات الشقاء والجهل إلى نور السعادة والعلم ، وقد بلغ المسلمون في العناية بالقرآن الدرجة القصوى ، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار ، وكانوا يتفاخرون في حفظه واتقانه ، ويتبركون بسوره وآياته ، والنبي يحثهم على ذلك . فهل يحتمل عاقل بعد هذا كله أن يقع الشك فيه عندهم حتى يحتاج اثباته إلى شاهدين ؟ . وسنثبت - إن شاء اللّه تعالى - فيما يأتي ان القرآن كان مجموعا في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله . وقالوا : 9 - إن للقرآن أسلوبا يباين أساليب البلغاء المعروفة ، فقد خلط بين المواضيع المتعددة ، فبينا هو يتكلم في التاريخ إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد ، إلى الحكم والأمثال ، إلى جهات أخرى . ولو كان القرآن مبوبا يجمع في كل موضوع ما يتصل به من الآيات ، لكانت فائدته