مركز الثقافة والمعارف القرآنية

538

علوم القرآن عند المفسرين

حملها على مشرقي الشمس والقمر ولا على مشرقي الصيف والشتاء ، لأن المسافة بين ذلك ليست أطول مسافة محسوسة فلا بد من أن يراد بها المسافة التي ما بين المشرق والمغرب . ومعنى ذلك أن يكون المغرب مشرقا لجزء آخر من الكرة الأرضية ليصح هذا التعبير ، فالآية تدل على وجود هذا الجزء الذي لم يكتشف إلا بعد مئات من السنين من نزول القرآن . فالآيات التي ذكرت المشرق والمغرب بلفظ المفرد يراد منها النوع كقوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ « 1 » . والآيات التي ذكرت ذلك بلفظ التثنية يراد منها الإشارة إلى القارة الموجودة على السطح الآخر من الأرض . والآيات التي ذكرت ذلك بلفظ الجمع يراد منها المشارق والمغارب باعتبار أجزاء الكرة الأرضية كما نشير اليه . ومن الأسرار التي أشار إليها القرآن الكريم كروية الأرض فقال تعالى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا « 2 » * رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ « 3 » * فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ « 4 » . ففي هذه الآيات الكريمة دلالة على تعدد مطالع الشمس ومغاربها ، وفيها إشارة إلى كروية الأرض ، فان طلوع الشمس على أي جزء من أجزاء الكرة الأرضية يلازم غروبها عن جزء آخر ، فيكون تعدد المشارق والمغارب واضحا لا تكلف فيه ولا تعسف . وقد حمل القرطبي وغيره المشارق والمغارب على مطالع الشمس ومغاربها باختلاف أيام السنة ، لكنه تكلف لا ينبغي أن يصار اليه ، لأن الشمس لم تكن لها مطالع معينة ليقع الحلف بها ، بل تختلف تلك باختلاف الأراضي . فلا بد من أن يراد بها المشارق والمغارب التي تتجدد شيئا فشيئا ، باعتبار كروية الأرض وحركتها .

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 115 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 137 . ( 3 ) سورة الصّافّات : الآية 5 . ( 4 ) سورة المعارج : الآية 4 .