مركز الثقافة والمعارف القرآنية
539
علوم القرآن عند المفسرين
وفي أخبار أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السّلام وأدعيتهم وخطبهم ما يدل على كروية الأرض . ومن ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : « صحبني رجل كان يمسي المغرب ويغلس بالفجر ، وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس ، وأصلي الفجر إذا استبان الفجر . فقال لي الرجل : ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع ؟ فان الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا ، وهي طالعة على قوم آخرين بعد . فقلت : إنما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا ، وعلى أولئك أن يصلوا إذا غربت الشمس عنهم » « 1 » . يستدل الرجل على مراده باختلاف المشرق والمغرب الناشئ عن استدارة الأرض ، ويقره الامام عليه السّلام على ذلك ولكن ينبهه على وظيفته الدينية . ومثله قوله الامام عليه السّلام في خبر آخر : « إنما عليك مشرقك ومغربك » . ومن ذلك ما ورد عن الإمام زين العابدين عليه السّلام في دعائه عند الصباح والمساء . « وجعل لكل واحد منهما حدا محدودا ، وأمدا ممدودا ، يولج كل واحد منهما في صاحبه ، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد » « 2 » . أراد صلوات الله عليه بهذا البيان البديع التعريف بما لم تدركه العقول في تلك العصور وهو كروية الأرض ، وحيث أن هذا المعنى كان بعيدا عن افهام الناس لانصراف العقول عن ادراك ذلك ، تلطف - وهو الامام العالم بأساليب البيان - بالإشارة إلى ذلك على وجه بليغ ، فإنه عليه السّلام لو كان بصدد بيان ما يشاهده عامة الناس من أن الليل ينقص تارة فتضاف من ساعاته إلى النهار ، وينقص النهار تارة أخرى فتضاف من ساعاته إلى الليل لاقتصر على الجملة الأولى : « يولج كل واحد منهما في صاحبه » ولما احتاج إلى ذكر الجملة الثانية : « ويولج صاحبه فيه » اذن فذكر الجملة الثانية إنما هو للدلالة على أن إيلاج كل من الليل والنهار في صاحبه يكون في حال إيلاج صاحبه فيه ، لأن ظاهر الكلام أن الجملة الثانية
--> ( 1 ) الوسائل ج 1 ص 237 باب 116 ان أول وقت المغرب غروب الشمس . ( 2 ) الصحيفة السجادية الكاملة .