مركز الثقافة والمعارف القرآنية
537
علوم القرآن عند المفسرين
كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ « 1 » . ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن هي حركة الأرض . فقد قال عز من قائل : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً « 2 » . تأمل كيف تشير الآية إلى حركة الأرض إشارة جميلة لم تتضح إلا بعد قرون ، وكيف تستعير للأرض لفظ المهد الذي يعمل للرضيع . يهتز بنعومة لينام فيه مستريحا هادئا ؟ وكذلك الأرض مهد للبشر وملائمة لهم من جهة حركتها الوضعية والانتقالية ، وكما أن تحرك المهد لغاية تربية الطفل واستراحته . فكذلك الأرض ، فان حركتها اليومية والسنوية لغاية تربية الإنسان بل وجميع ما عليها من الحيوان والجماد والنبات . تشير الآية المباركة إلى حركة الأرض إشارة جميلة ، ولم تصرح بها لأنها نزلت في زمان أجمعت عقول البشر فيه على سكونها ، حتى أنه كان يعد من الضروريات التي لا تقبل التشكيك « 3 » . ومن الأسرار التي كشف عنها القرآن قبل أربعة عشر قرنا : وجود قارة أخرى . فقد قال سبحانه وتعالى : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ « 4 » . وهذه الآية الكريمة قد شغلت أذهان المفسرين قرونا عديدة ، وذهبوا في تفسيرها مذاهب شتى . فقال بعضهم : المراد مشرق الشمس ومشرق القمر ومغرباهما ، وحمله بعضهم على مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما . ولكن الظاهر أن المراد بها الإشارة إلى وجود قارة أخرى تكون على السطح الآخر للأرض يلازم شروق الشمس عليها غروبها عنا . وذلك بدليل قوله تعالى : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ « 5 » . فان الظاهر من هذه الآية أن البعد بين المشرقين هو أطول مسافة محسوسة فلا يمكن
--> ( 1 ) سورة يس : الآية 36 . ( 2 ) سورة طه : الآية 53 . ( 3 ) واجترأ الحكيم « غاليله » بعد الألف الهجري فأثبت الحركتين « الوضعية والانتقالية » للأرض فأهانوه ، واضطهدوه حتى قارب الهلكة ، ثم سجن طويلا مع جلالته ، وحقوقه العلمية ، فصار حكماء الا فرنج يكتمون كشفياتهم الأنيقة المخالفة للخرافات العتيقة خوفا من الكنيسة الرومية . الهيئة والإسلام ص 63 طبعة بغداد . ( 4 ) سورة الرّحمن : الآية 17 . ( 5 ) سورة الزّخرف : الآية 38 .