مركز الثقافة والمعارف القرآنية
533
علوم القرآن عند المفسرين
المدنية ، والنظم الاجتماعية والحربية ، والقضاء والقدر ، والكسب والاختيار ، والعبادات والمعاملات ، والنكاح والطلاق ، والفرائض ، والحدود والقصاص وغير ذلك . وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة ، التي لا يتطرق إليها الفساد والنقد في أية جهة من جهاتها ، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وهذا شيء يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيما ممن نشأ بين أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف ، ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية ، لا تمضي على مؤلفة مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه . فان العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر ، ازدادت الحقائق فيها وضوحا ، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم ، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث ، وكم ترك الأول للآخر . ولهذا نرى كتب الفلاسفة الأقدمين ، ومن تأخر عنهم من أهل التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممن تأخر ، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهانا يقينيا ، أصبح بعد نقده وهما من الأوهام ، وخيالا من الأخيلة . والقرآن مع تطاول الزمان عليه ، وكثرة أغراضه ، وسمو معانيه ، لم يوجد فيه ما يكون معرضا للنقد والاعتراض ، اللهم إلا أوهام من بعض المكابرين ، حسبوها من النقد . وسنتعرض لها ، ونوضح بطلانها إن شاء اللّه تعالى . 5 - القرآن والاخبار بالغيب أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن أمور مهمة ، تتعلق بما يأتي من الأنباء والحوادث ، وقد كان في جميع ما اخبر به صادقا ، لم يخالف الواقع في شيء منها . ولا شك في أن هذا من الإخبار بالغيب ، ولا سبيل اليه غير طريق الوحي والنبوة . فمن الآيات التي انبأت عن الغيب قوله تعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ « 1 » . وهذه الآية نزلت في وقعة بدر ، وقد وعد الله فيها المؤمنين بالنصر على عدوهم وبقطع دابر الكافرين ، والمؤمنون على ما هم عليه من قلة العدد والعدة ، حتى أن الفارس
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 7 .