مركز الثقافة والمعارف القرآنية
511
علوم القرآن عند المفسرين
حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته التي هو عليها في نفسه ، وربما تبحر الانسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقت فطرته لكن لا يقدر على الإفصاح عن ما في ضميره ، وعى عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج . فهذه أمور ثلاثة : أولها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الاجتماعية ، والثاني والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوة المدركة ، ومن البين أن إدراك القوى المدركة منا محدود مقدر لا نقدر على الإحاطة بتفاصيل الحوادث الخارجية والأمور الواقعية بجميع روابطها ، فلسنا على أمن من الخطأ قط في وقت من الأوقات ، ومع ذلك فالاستكمال التدريجي الذي في وجودنا أيضا يوجب الاختلاف التدريجي في معلوماتنا أخذا من النقص إلى الكمال ، فأي خطيب اشدق واي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أول أمره موازنا لما تسمح به قريحته في أواخر أمره ؟ فلو فرضنا كلاما إنسانيا أي كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم اطلاع متكلمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه ( أولا ) ولم يكن على حد كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللاحق بل ولا أوله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقة الأمر ، لكن حكم التحول والتكامل عام ( ثانيا ) ، وعلى هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه ( وجد الهزل هو القول بغير علم محيط ) ولا إختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريا ، وهو الذي يفيده القرآن بقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً الآية « 1 » ، وقوله تعالى وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ « 2 » . انظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيره واتكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله « 3 » ، وقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ « 4 » ، وقوله تعالى : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ، إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 5 » . وقوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 6 » ، فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن اتكاء القرآن في معانيه على
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 . ( 2 ) سورة الطّارق : الآية 14 . ( 3 ) انظر معنى التأويل في الميزان ج 3 ص 44 - 49 . ( 4 ) سورة البروج : الآية 22 . ( 5 ) سورة الزّخرف : الآية 1 - 4 . ( 6 ) سورة الواقعة : الآية 79 .