مركز الثقافة والمعارف القرآنية

512

علوم القرآن عند المفسرين

حقائق ثابتة غير متغيرة ولا متغير ما يتكئ عليها . إذا عرفت ما مر علمت أن استناد وضع اللغة إلى الانسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلامي فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع به ، وليس ذلك إلا كالقول بان القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها ، وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون امهر من يلعب بهما ، ومخترع العود يجب أن يكون أقوى من يضرب بها . فقد تبين من ذلك كله أن البلاغة التامة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللفظ للمعنى ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الذي تحكيه الصورة الذهنية . أما اللفظ فأن يكون الترتيب الذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقا للترتيب الذي بين اجزاء المعنى المعبر عنه باللفظ بحسب الطبع ، فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز . وأما المعنى فان يكون في صحته وصدقه معتمدا على الخارج الواقع بحيث لا يزول عما هو عليه من الحقيقة ، وهذه المرتبة هي التي تتكي عليها المرتبة السابقة ، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد ، وكم من كلام بليغ مبنى على الجهالة لكنه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة ، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الأسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو ارقى الكلام . وإذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذب الحقائق الأخر ولم تكذبه فإن الحق مؤتلف الأجزاء ومتحد الأركان ، لا يبطل حق حقا ، ولا يكذب صدق صدقا ، والباطل هو الذي ينافي الباطل وينافي الحق ، انظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ « 1 » ، فقد جعل الحق واحدا لا تفرق فيه ولا تشتت . وانظر إلى قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ « 2 » . فقد جعل الباطل متشتتا ومشتتا ومتفرقا ومفرّقا . وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين اجزاء الحق اختلاف بل نهاية الائتلاف ، يجر بعضه

--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 32 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 153 .