مركز الثقافة والمعارف القرآنية
510
علوم القرآن عند المفسرين
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 1 » الآية ، فإنها ظاهرة في أن الذي يوجب استحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كل من يعينهم على ذلك من تحمل هذا الشأن هو ان للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذبوه ، ولا يحيط به علما إلا اللّه فهو الذي يمنع المعارض عن أن يعارضه ، لا أن اللّه سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكنهم منه لولا الصرف بإرادة من اللّه تعالى . وكذا قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً الآية « 2 » ، فإنه ظاهر في أن الذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنما هو كونه في نفسه على صفة عدم الاختلاف لفظا ومعنى ولا يسع لمخلوق ان يأتي بكلام غير مشتمل على الاختلاف ، لا أن اللّه صرفهم عن مناقضته بإظهار الاختلاف الذي فيه هذا ، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه . وأما الإشكال باستلزام الإعجاز من حيث البلاغة المحال ، بتقريب أن البلاغة من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الإنسانية ، فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حدا لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها ، فالجواب عنه أن الذي يستند من الكلام إلى قريحة الإنسان إنما هو كشف اللفظ المفرد عن معناه ، وأما سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامة أو ناقصة وإراءة واضحة أو خفية ، وكذا تنظيم الصورة العلمية في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض ، فإنما هو امر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفن البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظية ، ونوع لطف في الذهن تحيط به القوة الذاهنة على الواقعة المحكية بأطرافها ولوازمها ومتعلقاتها . فهاهنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق ، فربما أحاط إنسان بلغة من اللغات فلا يشذ عن علمه لفظ لكنه لا يقدر على التهجي والتكلم ، وربما تمهر الانسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب ، فيعجز عن التكلم فيها بكلام
--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 38 و 39 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 82 .