مركز الثقافة والمعارف القرآنية

489

علوم القرآن عند المفسرين

لجميعهم . ولما سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 1 » الآية قال : « واللّه إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وما هو بكلام بشر » . وذكر أبو عبيدة : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ « فاصدع بما تؤمر » فسجد وقال : سجدت لفصاحته ، وكان موضع التأثير في هذه الجملة هو كلمة اصدع في إبانتها عن الدعوة والجهر بها والشجاعة فيها ، وكلمة بما تؤمر في إيجازها وجمعها . وسمع آخر رجلا يقرأ : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا « 2 » فقال : « أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام » . وكون النبيء صلّى اللّه عليه وآله تحدّى به وأن العرب عجزوا عن معارضته مما علم بالضرورة إجمالا وتصدى أهل علم البلاغة لتفصيله ، قال السكاكي في المفتاح : واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ، أو كالملاحة . ومدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلا . وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذين العلمين ( المعاني والبيان ) نعم للبلاغة وجوه متلثمة ربما تيسرت إماطة اللّثام عنها لتجلى عليك ، أما نفس وجه الإعجاز فلا اه . قال التفتازاني : « يعني أن كل ما ندركه بعقولنا ففي غالب الأمر نتمكن من التعبير عنه ، والإعجاز ليس كذلك لأنا نعلم قطعا من كلام اللّه أنه بحيث لا تمكن للبشر معارضته والإتيان بمثله ولا يماثله شيء من كلام فصحاء العرب مع أن كلماته كلمات كلامهم ، وكذا هيئات تراكيبه ، كما أنا نجد كلاما نعلم قطعا أنه مستقيم الوزن دون آخر ، وكما أنا ندرك من أحد كون كل عضو منه كما ينبغي وآخر كذلك أو دون ذلك ، لكن فيه شيء نسميه الملاحة ولا نعرف أنه ما هو ، وليس مدرك الإعجاز عند المصنف سوى الذوق وهو قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ووجوه محاسنه الخفية ، فإن كان حاصلا بالفطرة فذاك وإن أريد اكتسابه فلا طريق إليه سوى الاعتناء بعلمى المعاني والبيان وطول ممارستهما والاشتغال بهما ، وإن جمع بين الذوق الفطري وطول خدمة العلمين فلا غاية وراءه ، فوجه الإعجاز أمر من جنس البلاغة والفصاحة لا كما ذهب إليه النظّام وجمع من المعتزلة ، أن

--> ( 1 ) سورة النّحل : الآية 90 . ( 2 ) سورة يوسف : الآية 80 .