مركز الثقافة والمعارف القرآنية

463

علوم القرآن عند المفسرين

والثاني ، في قوله : وَانْحَرْ « 1 » حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحر فهو إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الاقدام عليه . والثالث والرابع ، في قوله تعالى : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ « 2 » حيث صرح ورمز بأن شانئك لا أنت أبتر لا عقب له فكان اخبر ، ولا شك عند كل عاقل أن مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر . وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى ، فلأنه اشتمل على توحيد اللّه تعالى وتنزيهه ، والدعاء إلى طاعته ، وبيان طريق عبادته من : تحليل وتحريم ووعظ وتعليم ، وأمر بمعروف ونهى عن منكر ، وإشارة إلى محاسن الاخلاق وزجر عن مساويها ، واضعا كل شئ منها موضعه الذي لا يرى أولى منه ولا أليق ولا يتصور احرى من ذاك ولا أخلق ، جامعا بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا اليه وامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه ، مع إشارة أنيقة ورموز دقيقة واسرار جزيلة وحكم جليلة ستقف إن شاء اللّه تعالى على الكثير منها ، بحيث لا تبقى في شك من رد من يقول بأن ذلك معتاد في أكثر كلام البلغاء ، وأنه ينتقض بالتوراة والإنجيل وبكلام الرسول غير المعجز ، فأين الثريا من يد المتناول ؟ ! . وما كل مخضوب البنان بثينة * ولا كل مصقول الحديد يماني فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في وجه إعجاز القرآن ، والمشهور عند الجمهور الاقتصار على بلاغته وفصاحته حيث بلغت الرتبة العليا والغاية القصوى التي لم تكد تخفى على أهل هذا الشأن حتى النساء ، كما يحكى : أن الأصمعي وقف متعجبا من امرأة تنشد شعرا ، فقالت : أتعجب من هذا أين أنت من قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 3 » ؟ فقد جمع أمرين ونهيين وبشارتين أي مع ما فيه مما يدرك بالذوق . وبعضهم جعل المدار النظم المخصوص والباقي تابع له ، قائلا : إن الاعجاز المتعلق

--> ( 1 ) سورة الكوثر : الآية 2 . ( 2 ) سورة الكوثر : الآية 3 . ( 3 ) سورة القصص : الآية 7 .