مركز الثقافة والمعارف القرآنية

462

علوم القرآن عند المفسرين

وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود فالأول أعلاها والثاني أوسطها ، والثالث أدناها وأقربها ، وقد حازت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الاقسام أوفر حصة وأخذت من كل نوع أعظم شعبة ، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة وهما كالمتضادين ، فكان اجتماع الأمرين فيه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة ومنزلة جليلة ، وقد خص بذلك القرآن كما لا يخفى « 1 » على ذوى الفطر السليمة ومن كان له في علم البلاغة إتقان . وأما بيان إعجاز اشتماله على الاخبار بالغيب ، فلأنه تضمن ما يحكم العرف بكثرته من أخبار القرون الماضية والأمم البادية والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك وتتبعه فيورده القرن على وجهه ويأتي به على نصه ، ومن المعلوم أن من أتى به أمي لا يقرأ ولا يكتب صلى اللّه تعالى عليه وسلّم مع الاعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل ، كقوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا « 2 » وقوله تعالى : وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ « 3 » والاعلان بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية كقوله تعالى : ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ « 4 » وأخبار أقوام في قضايا انهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا كقوله تعالى خطايا لليهود : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً « 5 » فما تمناه أحد منهم ، إلى أضعاف مضاعفة من مثل ذلك قد اشتمل القرآن عليها واختص من بين الكتب بها ، حتى أن أقصر سورة فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب مع أنها ثلاث آيات . الأول ، في قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ « 6 » إذا أريد به كما في بعض الروايات كثيرة الاتباع .

--> ( 1 ) وقال السكاكى اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن والملاحظة وطيب النغم ، ولا يدرك تفصيله لغير ذوى الفطر السليمة إلا باتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما فليفهم اه منه . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 122 . ( 3 ) سورة المجادلة : الآية 8 . ( 4 ) سورة الروم : الآية 1 و 2 . ( 5 ) سورة البقرة : الآية 94 و 95 . ( 6 ) سورة الكوثر : الآية 1 .