مركز الثقافة والمعارف القرآنية

441

علوم القرآن عند المفسرين

ولا من جهة سلب قدرتهم عن معارضته فقط . بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة ، من جهة اللفظ ، ومن جهة النظم ، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى ، ومن جهة معانيه التي أمر بها ، ومعانيه التي أخبر بها عن اللّه تعالى وأسمائه وصفاته وملائكته ، وغير ذلك . ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي . وعن الغيب المستقبل . ومن جهة ما أخبر به عن المعاد ، ومن جهة ما بين فيه من دلائل اليقينية ، والأقيسة العقلية ، التي هي الأمثال المضروبة ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا « 1 » ، وقال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً « 2 » ، وقال : وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ « 3 » . وكل ما ذكره الناس من الوجوه في إعجاز القرآن ، هو حجة على إعجازه ولا يناقض ذلك ، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له . . . ومن أضعف الأقوال قول من يقول من أهل الكلام : إنه معجز بصرف الدواعي مع قيام الموجب لها ، أو بسلب القدرة الجازمة ، وهو أن اللّه صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضى التام ، أو سلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبا عاما ، مثل قوله تعالى لزكريا : آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا « 4 » ، فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل ، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله ، فامتناعهم - جميعهم - عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة - من أبلغ الآيات الخارقة للعادات ، بمنزلة من يقول : إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم ، وأضربهم جميعهم ، وأجوعهم ، وهم قادرون على أن يشكوا إلى اللّه ، أو إلى ولى الأمر ، وليس فيهم - مع ذلك - من يشتكى ، فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة . ولو قدر أن واحدا صنف كتابا ، يقدر أمثاله على تصنيف مثله ، أو قال شعرا ، يقدر أن

--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 54 . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 89 . ( 3 ) سورة الزمر : الآية 27 - 28 . ( 4 ) سورة مريم : الآية 10 .