مركز الثقافة والمعارف القرآنية

442

علوم القرآن عند المفسرين

يقولوا مثله ، وتحداهم كلهم ، فقال : عارضونى ، وإن لم تعارضونى فأنتم كفار ، مأواكم النار ، ودماؤكم لي حلال ، امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد . فإذا لم يعارضوه ، كان هذا من العجائب الخارقة للعادة . والذي جاء بالقرآن ، قال للخلق كلهم : أنا رسول اللّه إليكم جميعا ، ومن آمن بي ، دخل الجنة ، ومن لم يؤمن بي ، دخل النار ، وقد أبيح لي قتل رجالهم وسبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم ، ووجب عليهم - كلهم - طاعتي ومن لم يطعني ، كان من أشقى الخلق ، ومن آياتي هذا القرآن ، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله وأنا أخبركم أن أحدا لا يأتي بمثله . فيقال : لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين . فإن كانوا قادرين ، ولم يعارضوه ، بل صرف اللّه دواعي قلوبهم ، ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم ، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه ، فان سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل : معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب ، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد . فهذا من أبلغ الخوارق . وإن كانوا عاجزين ، ثبت أنه خارق للعادة ، فثبت كونه خارقا للعادة على تقدير النقيضين ، النفي والإثبات ، فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر . فهذا غاية التنزيل ، وإلا فالصواب المقطوع به ، أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته ، لا يقدرون على ذلك ، ولا يقدر محمد نفسه من تلقاء نفسه ، على أن يبدل سورة من القرآن ، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكل من له أدنى تدبر ، كما قد أخبر في قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » . وأيضا فالناس يجدون دواعيهم إلى المعارضة حاصلة ، ولكنهم يحسون من أنفسهم العجز عن المعارضة ، ولو كانوا قادرين لعارضوه . وقد انتدب غير واحد لمعارضته ، لكن جاء بكلام فضح به نفسه ، وظهر به تحقيق

--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 88 .