مركز الثقافة والمعارف القرآنية

415

علوم القرآن عند المفسرين

أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ « 1 » ولم ينقل من حواريي عيسى عليه السّلام فزع شديد حين رأوه على الصليب ، ونقل انه لما مات نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله عزيزا في فراشه غشى على بعض المؤمنين من شدة الحزن وجنّ آخر ، وصار يوم موته مثلا في شدة البكاء والحزن ، ولم يكن جميع ذلك الا لكون اعجاز كتابه الكريم أشد تأثيرا في نفوسهم من آيات نبوة موسى وعيسى عليهما السّلام في نفوس اتباعهما ، مع أن القرآن العظيم أوجد في نفوس العرب آثارا لم توجدها معجزات سائر الأنبياء ، حيث أنه أخرجهم بسماعه من ظلمات الجهالة وغمرات الضلالة بعد تماديهم فيها وتمرّنهم عليها إلى نور الهداية وأوج الحكمة وصيرهم بعد أمّيتهم علماء حكماء ، بل كادوا ان يكونوا من الحكمة والمعرفة أنبياء وبلغوا من العلم إلى أن صاروا بعد وحشيتهم اساتيد الأمم وسادة العجم ، أنظر إلى حواريي عيسى مع كونهم أكمل من آمن به واعلم بما جاء به ، قالوا : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ « 2 » ، وأطفال أمة نبينا صلّى اللّه عليه وآله في زمانه كانوا يقولون : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ولا يعجز اللّه شئ في الأرض ولا في السماء . والحاصل : ان العاقل المتأمل في آيات القرآن المجيد لا يرتاب في أنها كلام اللّه وانها أعظم المعجزات ، وقد افرد جمع كثير من علماء الاسلام اعجاز القرآن بالتصنيف ، ومع ذلك حاروا في كشف حجب البيان عن وجوه اعجازه بعد ان ثبتت عندهم بالوجدان والبرهان ، فالمنصف يرى القرآن في الهداية والبيان كالروح في الجسد يعرف بمظاهره وآثاره ويعجز العارفون عن بيان حقيقته وكنهه ، فان قريش كانت افصح العرب لسانا وأعذبهم بيانا وأخلصهم لغة وارفعهم عن الرداءة لهجة ، ومع ذلك كان النبي صلّى اللّه عليه وآله يحتج عليهم بالقرآن صباحا ومساء يحثهم على أن يعارضوه بسورة واحدة أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بها وتقريعا عليهم كشف عجزهم عن نقصهم ما كان مستورا ، ظهر منهم ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا : أنت تعرف اخبار الأمم ولذا تقدر على ما نعجز عنه ، فقال : جيئوا بها مفتريات ، وهذا لم يأت بمثله أديب عن معارضته ، ولم يبرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا تكلفه طبع فصيح ماهر ، ولو تكلفه لظهر ذلك

--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 24 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 112 .