مركز الثقافة والمعارف القرآنية

416

علوم القرآن عند المفسرين

فدل ذلك على عجز القوم عن معارضته ، مع كثرة كلامهم وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء اتباعه ، ومن الواضح انهم لو جاءوا بسورة واحدة أو آيات يسيرة بدل الهجاء ومعارضة الشعراء لكان انقض لقوله وافسد لامره وأضر عليه وعلى أصحابه ، مع أن الكلام سيد عملهم وقد احتاجوا اليه والحاجة تبعث على الفكر والجد في الامر الغامض المشكل ، فكيف بالسهل الجليل المنفعة والعظيم الفائدة ؟ . روي عن ابن عباس رضى اللّه عنه قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه ، فقال : يا عم ان قومك يريدون ان يجمعوا لك ما لا ليعطوكه لأن لا تأتى محمدا ولتعرض لما قاله ، قال : قد علمت قريش انى من أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك انك كاره له . قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل اعلم بالشعر منى ولا برجزه ولا بقصيدة ولا باشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، وو اللّه ان لقوله الذي يقول حلاوة وان عليه لطلاوة وانه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وانه ليعلوا ولا يعلى عليه ، وانه ليحطم ما تحته ، قال : لا يرضى عنك قومك حتّى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر فلما فكر ، قال : هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره » . روى أن قوله عز وجل في أول حم السّجدة إلى قوله : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ « 1 » نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة وأبي سفيان بن حرب وأبى جهل ، وذكر انهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة بن ربيعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ليكلمه وكان حسن الحديث عجيب الشأن بليغ الكلام ، وأرادوا ان يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلوات اللّه وسلامه عليه سورة حم السجدة من أولها حتى انتهى إلى قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ « 2 » فوثب مخافة العذاب ، فاستحكوه ما سمع فذكر انه لم يسمع منه كلمة واحدة ولا اهتدى بجوابه ، ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والردّ . قال عثمان بن مظعون : « واللّه لعلموا انه من عند اللّه إذ لم يهتدوا بجوابه » .

--> ( 1 ) سورة فصلت : الآية 4 . ( 2 ) سورة فصلت : الآية 13 .