مركز الثقافة والمعارف القرآنية

386

علوم القرآن عند المفسرين

ثم الجملة التالية وهي قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعلل إطلاق الصدر ، وفي هذا المعنى قوله : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » وهذه جملة مطلقة غير مقيدة بشيء البتة ، فلله سبحانه سبيل إلى كل حادث تعلقت به مشيته وإرادته وإن كانت السبل العادية والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك . وهذا يحتمل وجهين : أحدهما - أن يتوسل تعالى اليه من غير سبب مادي وعلة طبيعية ، بل بمجرد الإرادة وحدها . وثانيهما - أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا يحيط به اللّه سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه ، الا أن الجملة التالية من الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ، تدل على ثاني الوجهين ، فإنها تدل على أن كل شيء من المسببات أعم مما تقتضيه الأسباب العادية ولا تقتضيه فان له قدرا قدره اللّه سبحانه عليه ، وارتباطات مع غيره من الموجودات ، واتصالات وجودية مع ما سواه ، للّه سبحانه أن يتوسل منها إليه وان كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به ، إلا أن هذه الاتصالات والارتباطات ليست مملوكة للأشياء أنفسها حتى تطيع في حال وتعصى في أخرى ، بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له . فالآية تدل على أنه تعالى جعل بين الأشياء جميعها ارتباطات واتصالات له ان يبلغ إلى كل ما يريد من أي وجه شاء وليس هذا نفيا للعلية والسببية بين الأشياء ، بل إثبات أنها بيد اللّه سبحانه يحولها كيف شاء وأراد ، ففي الوجود علية وارتباط حقيقي بين كل موجود وما تقدمه من الموجودات المنتظمة ، غير أنها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة ( ولذلك نجد الفرضيات العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجودية ) ، بل على ما يعلمه اللّه تعالى وينظمه . . . ومن هنا يستنتج أن الأسباب العادية التي ربما يقع التخلف بينها وبين مسبباتها ليست بأسباب حقيقية بل هناك أسباب حقيقية مطردة غير متخلفة الأحكام والخواص ، كما ربما

--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 21 .