مركز الثقافة والمعارف القرآنية
310
علوم القرآن عند المفسرين
تغنّ بالشّعر مهما كنت قائله * إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال : وأما ادّعاء الزاعم إن تغنّيت استغنيت فليس في كلام العرب وأشعارها ، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قاله ، وأما احتجاجه بقول الأعشى : وكنت أمرا زمنا بالعراق * عفيف المناخ طويل التّغن وزعم أنه أراد الاستغناء فإنه غلط منه ، وإنما عنى الأعشى في هذا الموضع الإقامة ، من قول العرب : غنى فلان بمكان كذا أي أقام ، ومنه قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا « 1 » وأما استشهاده بقوله : ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا فإنه إغفال منه ، وذلك أن التغانى تفاعل من نفسين إذا استغنى كل واحد منهما عن صاحبه ، كما يقال : تضارب الرجلان ، إذا ضرب كل واحد منهما صاحبه . ومن قال هذا في فعل الاثنين لم يجز أن يقول مثله في الواحد ، فغير جائز أن يقال : تغانى زيد وتضارب عمرو ، وكذلك غير جائز أن يقال : تغنّى بمعنى استغنى . قلت : ما ادّعاه الطبري من أنه لم يرد في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ، فقد ذكره الجوهرىّ كما ذكرنا ، وذكره الهرويّ أيضا . وأما قوله : إن صيغة فاعل إنما تكون من اثنين فقد جاءت من واحد في مواضع كثيرة ، منها قول ابن عمر : وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام . وتقول العرب : طارقت النعل وعاقبت اللصّ وداويت العليل ، وهو كثير ، فيكون تغانى منها . وإذا احتمل قوله عليه الصلاة والسّلام : « يتغنّ » الغناء والاستغناء فليس حمله على أحدهما بأولى من الآخر ، بل حمله على الاستغناء أولى لو لم يكن لنا تأويل غيره ، لأنه مروىّ عن صحابىّ كبير كما ذكر سفيان . وقد قال ابن وهب في حق سفيان : ما رأيت أعلم بتأويل الأحاديث من سفيان بن عيينة ، ومعلوم أنه رأى الشافعىّ وعاصره . وتأويل سادس - وهو ما جاء من الزيادة في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ما أذن اللّه « 2 » لشيء ما أذن لنبىّ حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 92 . ( 2 ) قوله : ما أذن . . . الخ . قال المناوي : يعنى ما رضى اللّه من المسموعات شيئا هو أرضى عنده ولا أحبّ إليه من قول نبىّ يتغنى بالقرآن ، أي يجهر به ويحسن صوته بالقراءة بخشوع وترقيق وتحزن ، وأراد بالقرآن ما يقرأ من الكتب المنزلة .