مركز الثقافة والمعارف القرآنية

311

علوم القرآن عند المفسرين

به » . وقال الطبرىّ : ولو كان كما قال ابن عيينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى . قلنا قوله : « يجهر به » لا يخلو أن يكون من قول النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو من قول أبي هريرة أو غيره ، فإن كان الأوّل وفيه بعد ، فهو دليل على عدم التطريب والترجيع ، لأنه لم يقل : يطرب به ، وإنما قال : يجهر به ، أي يسمع نفسه ومن يليه ، بدليل قوله عليه السّلام للذي سمعه وقد رفع صوته بالتهليل : « أيها النّاس أربعوا « 1 » على أنفسكم فإنكم لستم تدعون أصمّ ولا غائبا . . . » الحديث ، وسيأتي . وكذلك إن كان من صحابىّ أو غيره فلا حجة فيه على ما راموه ، وقد اختار هذا التأويل بعض علمائنا فقال : وهذا أشبه ، لأن العرب تسمّى كل من رفع صوته ووالى به غانيا ، وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه بتلحين الغناء . قال : وعلى هذا فسره الصحابىّ ، وهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال . وقد احتج أبو الحسن بن بطال لمذهب الشافعىّ فقال : وقد رفع الإشكال في هذه المسألة ما رواه ابن أبي شيبة قال : حدّثنا زيد بن الحباب قال : حدّثنا موسى بن علىّ بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تعلّموا القرآن وغنّوا به واكتبوه فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصّيا « 2 » من المخاض من العقل » . قال علماؤنا : وهذا الحديث وإن صح سنده فيردّه ما يعلم على القطع والبتات من أن قراءة القرآن بلغتنا متواترة عن كافة المشايخ ، جيلا فجيلا إلى العصر الكريم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس فيها تلحين ولا تطريب ، مع كثرة المتعمقين في مخارج الحروف وفي المدّ والإدغام والإظهار وغير ذلك من كيفية القراءات . ثم إن في الترجيع والتطريب همز ما ليس بمهموز ومدّ ما ليس بمدود ، فترجع الألف الواحدة ألفات والواو الواحدة واوات والشبهة « 3 » الواحدة شبهات ، فيؤدّى ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع ، وإن وافق ذلك موضع نبر وهمز صيّروها نبرات وهمزات ، والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لا غير ، إما ممدودة وإمّا مقصورة . فإن قيل : فقد روى عبد اللّه بن مغفّل قال : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مسير له سورة « الفتح » على راحلته فرجّع في قراءته ، وذكره البخارىّ ، وقال في صفة الترجيع : آء آء آء ،

--> ( 1 ) قوله : « اربعوا » أي كفّوا وارفقوا . . ( 2 ) التفصي : التفلّت والخروج . ( 3 ) سيذكر المؤلف في باب ( ذكر معنى السورة والآية ) الخ : أن الشبهات هي الحروف ، ولم أر هذا التعبير لغيره .