مركز الثقافة والمعارف القرآنية

309

علوم القرآن عند المفسرين

أبى وقّاص . وقد روى عن سفيان أيضا وجه آخر ، ذكره إسحاق بن راهويه ، أي يستغنى به عما سواه من الأحاديث . وإلى هذا التأويل ذهب البخارىّ محمد بن إسماعيل لأتباعه الترجمة بقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 1 » . والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم ، قاله أهل التأويل . وقيل : إن معنى يتغنّى به ، يتحزّن به ، أي يظهر على قارئه الحزن الذي هو ضدّ السرور عند قراءته وتلاوته ، وليس من الغنية ، لأنه لو كان من الغنية لقال : يتغانى به ، ولم يقل يتغنّى به . ذهب إلى هذا جماعة من العلماء : منهم الإمام أبو محمد ابن حبّان البستىّ ، واحتجوا بما رواه مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير عن أبيه قال : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . الأزيز ( بزاءين ) : صوت الرعد وغليان القدر . قالوا : ففي هذا الخبر بيان واضح على أن المراد بالحديث التحزّن ، وعضدوا هذا أيضا بما رواه الأئمة عن عبد اللّه ، قال : قال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقرأ علىّ » فقرأت عليه سورة « النساء » حتى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً « 2 » فنظرت إليه فإذا عيناه تدمعان . فهذه أربع تأويلات ، ليس فيها ما يدل على القراءة بالألحان والترجيع فيها . وقال أبو سعيد بن الأعرابىّ في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس مّنا من لم يتغنّ بالقرآن » قال : كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها ، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجّيراهم « 3 » مكان الغناء ، فقال : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » . التأويل الخامس - ما تأوّله من استدلّ به على الترجيع والتطريب ، فذكر عمر بن شبّة قال : ذكرت لأبى عاصم النبيل تأويل ابن عيينة في قوله : « يتغنّ » يستغنى ، فقال : لم يصنع ابن عيينة شيئا . وسئل الشافعىّ عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا ، لو أراد النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم الاستغناء لقال : من لم يستغن ، ولكن لما قال « يتغنّ » ، علمنا أنه أراد التغنّى . قال الطبرىّ : المعروف عندنا في كلام العرب أن التغنّى إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع . وقال الشاعر :

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 51 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 41 . ( 3 ) هجيراهم : دأبهم وعادتهم .