مركز الثقافة والمعارف القرآنية

308

علوم القرآن عند المفسرين

بيته ، فإذا رجل رثّ الهيئة ، فسمعته يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » . قال فقلت لابن أبي مليكة : يا أبا محمد ، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت ؟ قال : يحسّنه ما استطاع . ذكره أبو داود ، وإليه يرجع أيضا قول أبى موسى للنبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّى لو علمت أنك تستمع لقراءتى لحسّنت صوتي بالقرآن ، وزيّنته ورتّلته . وهذا يدل [ على ] أنه كان يهذّ « 1 » في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه . والتحبير : التزيين والتحسين ، فلو علم أن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسمعه لمدّ في قراءته ورتّلها ، كما كان يقرأ على النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة . ومعاذ اللّه أن يتأوّل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول : إن القرآن يزيّن بالأصوات أو بغيرها ، فمن تأوّل هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى من يزيّنه ، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه . وقد قيل : إن الأمر بالتزيين اكتساب القراءات وتزيينها بأصواتنا وتقدير ذلك ، أي زينوا القراءة بأصواتكم ، فيكون القرآن بمعنى القراءة ، كما قال تعالى : وَقُرْآنَ الْفَجْرِ « 2 » ، أي قراءة الفجر ، وقوله : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ « 3 » أي قراءته . وكما جاء في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو قال : إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السّلام ، ويوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا ، أي قراءة . وقال الشاعر « 4 » في عثمان رضى عنه : ضحّوا بأشمط « 5 » عنوان السجود به * يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا أي قراءة . فيكون معناه على هذا التأويل صحيحا إلا أن يخرج القراءة التي هي التلاوة عن حدّها - على ما نبيّنه - فيمتنع . وقد قيل : إن معنى يتغنّى به ، يستغنى به من الاستغناء الذي هو ضدّ الافتقار ، لا من الغناء ، يقال : تغنّيت وتغانيت بمعنى استغنيت . وفي الصحاح : تغنى الرجل بمعنى استغنى ، وأغناه اللّه . وتغانوا أي استغنى بعضهم عن بعض . قال المغيرة بن حبناء التّميمىّ : كلانا غنىّ عن أخيه حياته * ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة ووكيع بن الجرّاح ، ورواه سفيان عن سعد بن

--> ( 1 ) الهذ والهذذ : سرعة القطع وسرعة القراءة . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 78 . ( 3 ) سورة القيامة : الآية 18 . ( 4 ) هو حسان بن ثابت . ( 5 ) الشمط بالتحريك : بياض شعر الرأس يخالطه سواده . وقيل : الشمط في الرجل شيب اللحية .