مركز الثقافة والمعارف القرآنية
307
علوم القرآن عند المفسرين
وروى عن مالك أنه سئل عن النّبر في قراءة القرآن في الصلاة ، فأنكر ذلك وكرهه كراهة شديدة ، وأنكر رفع الصوت به . وروى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة ، فقال : لا تعجبني ، وقال : إنما هو غناء يتغنّون به ليأخذوا عليه الدراهم . وأجازت طائفة رفع الصوت بالقرآن والتّطريب به ، وذلك لأنه إذا حسّن الصوت به كان أوقع في النفوس وأسمع في القلوب ، واحتجّوا بقول عليه السّلام : « زينوا القرآن بأصواتكم » رواه البراء بن عازب . اخرجه أبو داود والنّسائى ، وبقوله عليه السّلام : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » أخرجه مسلم . وبقول أبى موسى للنبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : لو أعلم أنك تستمع لقراءتى لحبّرته لك تحبيرا . وبما رواه عبد اللّه بن مغفّل قال : قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام الفتح في مسير له سورة « الفتح » على راحلته فرجّع في قراءته . وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه والشافعىّ وابن المبارك والنّضر بن شميل ، وهو اختيار أبى جعفر الطبرىّ وأبى الحسن بن بطّال والقاضي أبى بكر بن العربي وغيرهم . قلت : القول الأوّل أصح لما ذكرناه ويأتي . وأما ما احتجّوا به من الحديث الأوّل فليس على ظاهره ، وإنما هو من باب المقلوب ، أي زيّنوا أصواتكم بالقرآن . قال الخطّابىّ : وكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث : « زيّنوا أصواتكم بالقرآن » ، وقالوا هو من باب المقلوب ، كما قالوا : عرضت الحوض على الناقة ، وإنما هو عرضت الناقة على الحوض . قال : ورواه معمر عن منصور عن طلحة ، فقدّم الأصوات على القرآن ، وهو الصحيح . قال الخطابىّ : ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « زينوا القرآن بأصواتكم » . أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم واتخذوه شعارا وزينة ، وقيل : معناه الحض على قراءة القرآن والدّءوب عليه . وقد روى عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « زيّنوا أصواتكم بالقرآن » . وروى عن عمر أنه قال : « حسّنوا أصواتكم بالقرآن » . قلت : وإلى هذا المعنى يرجع قوله عليه السّلام : « ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن » أي ليس منا من لم يحسّن صوته بالقرآن ، كذلك تأوّله عبد اللّه بن أبي مليكة . قال عبد الجبار ابن الورد : سمعت ابن أبي مليكة يقول : قال عبد اللّه بن أبي يزيد : مرّ بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل