مركز الثقافة والمعارف القرآنية

23

علوم القرآن عند المفسرين

والقرطبي - قرأ علي بن أبي طالب : « وطلع منضود » بعين في موضع الحاء ، وقرأ قارئ بين يديه : وطلح منضود ، فقال : وما شأن الطلح ؟ إنما هو « وطلع » ، وقرأ : « لها طلع نضيد » ، فقالوا : أفلا نحوّلها ؟ فقال : إن آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول ، أي لا تغير حروفها ولا تحول عن مكانها ، فهو قد منع من تغيير المصحف ، ومع ذلك لم يترك القراءة التي رواها ، وممن نسبت إليهم قراءات مخالفة لمصحف عثمان ، عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ، إلى أن ترك الناس ذلك تدريجا . ذكر الفخر في تفسير قوله تعالى : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ « 1 » من سورة النور : أن سفيان ، قال سمعت : أمي تقرأ : « إذ تثقفونه بألسنتكم » وكان أبوها يقرأ بقراءة ابن مسعود ، ومع ذلك فقد شذت مصاحف بقيت مغفولا عنها بأيدي أصحابها ، منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف في سورة الفتح : أن الحارث بن سويد صاحب عبد اللّه بن مسعود كان له مصحف دفنه في مدة الحجاج ، قال في الكشاف : لأنه كان مخالفا للمصحف الإمام ، وقد أفرط الزمخشري في توهين بعض القراءات لمخالفتها لما اصطلح عليه النحاة ، وذلك من إعراضه عن معرفة الأسانيد » « 2 » . قال المدرس : « ومما يستحسن التنبيه عليه : أنه كان كل من الأحرف مما نزل به جبريل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وألقاه إليه ليقرأه على أصحابه ، فتتوسع لهم دائرة القراءة للقرآن الكريم . ففي تفسير القرطبي : قال ابن عطية : أباح اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الحروف السبعة ، وعارضه بها جبريل عليه السّلام في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز ، وجودة الوصف ، ولم تقع الإباحة في قوله عليه السّلام : « فاقرءوا ما تيسّر منه » بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه ، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن ، وكان معرضا لأن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند اللّه . وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليوسع بها على أمته فأقرأ مرة لأبي بما عارضه به جبريل ، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا . وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان ، وقراءة هشام بن حكيم لها ، وإلا فكيف يستقيم أن يقول

--> ( 1 ) سورة النور : الآية 15 . ( 2 ) التحرير والتنوير ج 1 ص 51 - 53 .